التباين بين المرشحين لرئاسة الحكومة الإسرائيلية:

~ورقة سياسات.
خريطة القوى قبل انتخابات 27 أكتوبر.
أمير مخول، مركز تقدم للسياسات

مقدمة:
يتبوأ المشهد الإسرائيلي حالياً ثلاثة مرشحين محتملين لرئاسة الحكومة القادمة، وهذا منوط بنتائج انتخابات 27 أكتوبر، وفي حال لم يقم نتنياهو بإرجائها بذرائع أمنية. فبينما يخوض نتنياهو معركة البقاء السياسي مستنداً إلى خطاب الحرب الدائمة والترتيبات الأمنية، يبرز إلى جانبه نفتالي بينيت وغابي ايزنكوت كمرشحين محتملين لرئاسة أي ائتلاف حاكم قادم، مع تعزز حظوظ ايزنكوت بشكل لافت وفقاً للاستطلاعات المتتالية. تسعى هذه الورقة إلى تحليل مواقع هؤلاء الثلاثة وبرامجهم وحلفائهم المحتملين، بما يسمح برسم خريطة أولية للاتجاهات الممكنة للسياسة الإسرائيلية في مرحلة ما بعد نتنياهو، أو في حال استمراره.

أولاً: نتنياهو – استمرارية الحرب والترتيبات الأمنية:
جعل نتنياهو من قانون القومية الصادر عام 2018 برنامجه السياسي، القائم على ما يردده من أنه “لا يوجد حق تقرير مصير لغير اليهود ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط”. وبناء على ذلك، فإن كل الوجود الفلسطيني يندرج ضمن ترتيبات أمنية تحول دون أي حلول سياسية. يرسخ نتنياهو خطابه بترديد مقولته بأنه الزعيم الوحيد القادر على منع إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، وأنه أيضاً الوحيد القادر على الصمود أمام الضغوط الدولية مهما كان مصدرها.

في المقابل، فإن رئيس الوزراء لا يشعر بإلحاحية مشروع الضم في الضفة الغربية، بل يقوم فعلياً ببلورة نيّته لحين تأتي اللحظة المناسبة. وقد عكست ذلك الاتفاقات الائتلافية مع الصهيونية الدينية المؤرخة في 28 ديسمبر 2022، والتي تنص بشكل واضح على التوافق على مسألة “بسط السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة” فيما تبقي توقيت ذلك بيد نتنياهو وفقاً لاعتبارات الوضع الدولي.

ويتكامل مشروعه مع مشاريع حلفائه من تيار الصهيونية الدينية (بن غفير وسموتريتش)، ويضاف إليهما حزب كاهاني الذي كان محظوراً حتى الآن، برئاسة ميخائيل بن يائير وباروخ مارزيل، الذين أعلنوا جميعاً أن مشروعهم التالي هو “استكمال المشروع الصهيوني في أرض إسرائيل”، مع تركيز حصري على الضفة الغربية والداخل، وبشكل خاص على تهويد الجليل والنقب من خلال الاستيطان.
يرى نتنياهو أن الخطر الداهم حالياً هو المساعي لإقامة دولة فلسطينية في إطار دولي متعدد الأطراف، ويخشى بشكل خاص التحولات في السياسة الأمريكية الداخلية بهذا الاتجاه، والتي تتقارب فيها رؤية الحزبين الديمقراطي والجمهوري. وبناء على هذا الهدف البعيد المدى، فإن ما يقبل به نتنياهو لا يتعدى عتبة الترتيبات الأمنية، حتى لو حصل في المقابل على التطبيع، وهذا ينطبق على لبنان وسوريا وفلسطين، فيما قد يذعن فقط للموقف الأمريكي في حال كان حازماً وملزماً. وفي مثل هذه الحالة، فإن تصعيد الهجمات من قبل ميليشيات إسرائيلية محمية من الحكومة والجيش ومنظومات إنفاذ القانون، والتي تستهدف كامل الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، سوف يستمر ويتصاعد.

انتخابياً، يسعى نتنياهو إلى تفكيك أية احتمالية لاعتماد منافسيه على أي من الأحزاب العربية، وفي ذلك يقود حملة لتقليص احتمالات إسقاطه من الحكم، وفي المقابل نزع أية شرعية عن الأحزاب العربية وجمهورها. كما يحاول منع انزياح أوساط من قاعدته الانتخابية لصالح ايزنكوت، حيث يتضح أنه يهاجم الليكود في قلب قاعدته الانتخابية سعياً لاستمالة أطراف منها تكون كافية لحسم المعركة.

ثانياً: نفتالي بينيت – عودة مشروطة بحكومة وحدة صهيونية
عقائدياً يعود نفتالي بينيت إلى تيار الصهيونية الدينية، وبخلاف قيادتها الحالية فإنه أقرب إلى قيادتها التاريخية التي كانت تؤمن بالدولانية، باعتبار الدولة جسماً سياسياً وقانونياً مستقلاً عن المجتمع، وبسيادة القانون والعمل ضمنه، وبعدم إضفاء استحقاقات العقيدة الصهيونية الدينية على الدولة ومنظوماتها، وكذلك ضمن مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي ومبدأ فصل السلطات، واحترام المعاهدات الدولية لإسرائيل، وفي رأب الصدع بين اليهود. وقد أشغل بينيت، قبل دخوله المعترك السياسي، منصب مدير مكتب رئيس الوزراء نتنياهو، وكذلك مديرا لمجلس المستوطنات.

خلال توليه رئاسة الحكومة لنحو عام (2021-2022)، اعتمد مبدأ “تقليص الصراع” في الشأن الفلسطيني، وهو أقرب إلى تجميد الوضع كما هو، والسعي إلى عدم التصعيد الاستراتيجي وعدم الحل. ورغم صغر حجم حزبه في الكنيست، بستة نواب، نجح، وبفضل يمينيته وبدعم من لبيد الذي اعتُبر رئيساً للحزب الأكبر آنذاك في الكنيست وزعيم التيار الليبرالي اليميني، في الاتفاق على تقاسم السلطة واستبعاد نتنياهو وكذلك أحزاب الحريديم لكونهم لا يخدمون في الجيش. ولأول مرة استند الائتلاف إلى عضوية حزب عربي هو القائمة العربية الموحدة، دون حصولها على موقع وزاري، واستبعاد ذاتها مسبقاً عن الشراكة في اتخاذ القرارات ذات الصلة بالأمن القومي الإسرائيلي وقضايا الحرب والاحتلال والاستيطان.

بعد انهيار ما يسمى “حكومة التغيير” بينه وبين يائير لبيد في عام 2022، اعتزل السياسة مؤقتاً ليعود إليها سعياً للعودة إلى رئاسة الوزراء. ويبدو أكثر تمسكاً بخيار الائتلاف الصهيوني، ويدعو علناً إلى إقصاء الحريديم والعرب منه تحت مسمى “حكومة صهيونية” و”حكومة المجندين للخدمة العسكرية” وبدائلها.

سياسياً، حظي بينيت بدعم قوي من مريم أديلسون، إحدى كبار الأغنياء اليهود في الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي تنتمي إلى اليمين العقائدي وقد ساهمت بنحو 150 مليون دولار في حملة ترامب الانتخابية، ولها أثر ملموس على إدارته؛ وقد بدأت مساعيها أمام ترامب بحثّه على الاعتراف بضم إسرائيل للضفة الغربية، وكانت في حينه مقرّبة من نتنياهو.

لم يتقدم بينيت بأي خطوات لحل مع الفلسطينيين، لكن حكومته أقامت منظومة لمحاربة الجريمة المنظمة التي تفتك بالمجتمع الفلسطيني من مواطني إسرائيل وباتت تهديداً وجودياً، كما أن حكومته، رغم عدوانيتها، حافظت على رتابة منظومات الدولة والفصل بين السلطات وسيادة القانون بالمفهوم العام، وعلى استقلالية المنظومة الأمنية والمستشارة القانونية للحكومة والقضاء نسبياً، رغماً عن نزوعه نحو اليمين.

في حال تمكن بينيت من العودة إلى رئاسة الحكومة، وهذا مستبعد وفقاً للمعطيات الحالية، فمن المتوقع أن يسعى إلى ائتلاف موسّع قائم على مبدأ حكومة وحدة قومية صهيونية، دون أن يصدر عنه أي إعلان برفض انضمام أقصى اليمين إليها. في المقابل، سيكون أكثر اهتماماً بإنعاش الاقتصاد وبالقضايا الداخلية من التوجه نحو حلول سياسية جذرية، في مسعى للتوفيق بين “تقليص الصراع” والترتيبات الأمنية والانصياع للأولويات الأمريكية. وقد يكون أكثر حزماً في إنفاذ القانون، بما فيه وضع حد للفلتان الموجه حكومياً للميليشيات الاستيطانية في الضفة والقدس، وقد يمتثل لخطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة مع التشديد على الترتيبات الأمنية، ومن المحتمل أن يلتزم بتحويل أموال المقاصة إلى السلطة الفلسطينية دون التقدم نحو حل. كما قد يسعى إلى حلول إقليمية دون دولة فلسطينية، بل عبر طرح حلول اقتصادية في عودة إلى “السلام الاقتصادي”، في منحى لا يتوافق مع الرؤية الفلسطينية والعربية والدولية، بما فيها الأمريكية، بل يتناقض معها.

ثالثاً: غابي ايزنكوت – الأوفر حظاً والأكثر قبولاً دولياً:
حالياً، ووفقاً للاستطلاعات، فإن رئيس الأركان الإسرائيلي السابق والوزير في كابينت الحرب على غزة في عامها الأول هو الأوفر حظاً في السباق على رئاسة الحكومة، سواء من حيث القدرة على تشكيل ائتلاف حاكم أو من حيث الشعبية والملاءمة لرئاسة الحكومة مقارنةً بنتنياهو، ويتفوق عليه.

يسعى ايزنكوت إلى اختراق القاعدة الانتخابية لحزب الليكود وإلى مخاطبتها مباشرة، واستمالة رؤساء بلديات من المقربين إلى رئيس الوزراء. كما يخاطب جمهور حركة شاس، ولا يتبنى سياسة الإقصاء تجاه الحريديم، ولم يرتدع كما فعلت أحزاب المعارضة الأخرى من دعاية الليكود التي تقول بأنه سيعتمد على القائمة العربية الموحدة، ولم تصدر عنه أي تصريحات رافضة لذلك، رغم أنه يتحدث عن دولة يهودية ديمقراطية وعن الخدمة العسكرية أو بدائلها على كل المواطنين. وفعلياً، ولحد الآن، ينجح في التصدي لدعاية الليكود التي تستهدفه شخصياً في مسعى لنزع شرعية إمكانية انتخابه. وتساعده هويته الولادية الشرقية، فهو من أصول مغربية، في التقرب من جمهور واسع يدعم في معظمه اليمين، وهو ما يضعه في تنافس مباشر مع بن غفير على جمهور حركة شاس، مما قد يُضعف هذا الحزب الحريدي. في المقابل، يعمل ايزنكوت على فك الشراكة التاريخية القائمة منذ عام 1977 بين حزب الليكود والحريديم.

سياسياً، يختلف ايزنكوت عن نتنياهو وبينيت بكونه يرى أن مستقبل إسرائيل منوط بالحلول السياسية والتسويات الإقليمية، لا بالتسويات الأمنية بحد ذاتها، والتي يعتبرها تفريطاً بإنجازات الجيش. وهو لا يطرح سلاماً إسرائيلياً فلسطينياً قائماً على حل الدولتين، لكنه يؤكد ضرورة الحل السياسي، ولا ينتمي إلى العقائديين من تيار “أرض إسرائيل الكاملة”، بل هو من المعارضين للضم من باب مخاطره الوجودية على إسرائيل. ويبدو ايزنكوت الأكثر قبولاً في السياسة الأمريكية بحزبيها.

فلسطينياً، فهو الأقرب إلى تطبيق خطة ترامب لإنهاء الحرب على غزة، وهو أيضاً الأكثر احتمالية لوقف الميليشيات في الضفة الغربية، ولإجراء تغييرات في الأجهزة الأمنية، بما فيه تنحية رئيس الشاباك المحسوب على تيار الصهيونية الدينية المسياني. بموازاة ذلك، فإن ايزنكوت معنيّ، كما الإدارة الأمريكية وأوروبا، بالتعامل مع السلطة الفلسطينية لا بتقويضها.
اللافت أيضاً في سلوك ايزنكوت هو الابتعاد عن خطاب المعارضة الاعتذاري أمام الليكود وأقصى اليمين، ومواجهته المباشرة لخطاب التخويف الذي يميّز حملة نتنياهو ضده، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحريديم بخلاف لبيد وبينيت، وعدم تأثره بمحاولات نتنياهو نزع الشرعية عنه بدعوى احتمال تحالفه مع حزب عربي.

يشارك ايزنكوت في مسألة الحلول السياسية والتسويات رئيس حزب “الديمقراطيون” يائير غولان، لكن الأخير ليس مرشحاً محتملاً لرئاسة الوزراء، فيما الجناح اليميني في المعارضة، ليبرمان، لا تبدو له حظوظ في ترؤس الحكومة.

التقييم: خطوط التمايز وحدودها:
من ضمن المرشحين الثلاثة لا يوجد رجل سلام، لكن الفوارق بينهم بدأت تتضح على مستوى المقاربة: الحرب الدائمة والتسويات الأمنية التي يتبناها نتنياهو، مقابل “تقليص الصراع” وتجاوز القضية الفلسطينية من خلال سياق عربي إقليمي يمثله بينيت، مقابل الاستعداد لتسويات سياسية وعدم الركون إلى التسويات الأمنية وحدها الذي يمثله ايزنكوت، دون أن يتضح موقفه بصدد دولة فلسطينية. هذه التمايزات مهمة لفهم الاتجاهات الممكنة للسياسة الإسرائيلية، لكنها تبقى تمايزات في المقاربة والأداء وأقل في الأهداف الجوهرية المتعلقة بالحل السياسي النهائي.

الخلاصات والتوصيات:
• يتنافس على رئاسة الحكومة الإسرائيلية القادمة حتى الآن كل من نتنياهو وايزنكوت وبينيت، فيما تبدو حظوظ ايزنكوت في تصاعد مستمر؛ وفي حال نجح وحزبه “يشار” في استمالة مؤيدين من قاعدة نتنياهو الانتخابية أو من حزب شاس، فإن حظوظه تتعزز بشكل ملحوظ.
• أهمية رصد هذه التمايزات لا تكمن في توقع “حل سياسي” لدى أي من المرشحين الثلاثة، بل في فهم الفارق في وتيرة التصعيد وفي هامش القبول الدولي والأمريكي المتاح لكل منهم، وهو ما يحمل تأثيراً مباشراً على سلوك إسرائيل الإقليمي في المرحلة القادمة.
• بالنسبة للفاعلين الإقليميين والدوليين المتابعين للملف، فإن الرهان الأكثر واقعية ليس على تمايزات داخل المنظومة الإسرائيلية بقدر ما هو على ما يتبلور دولياً وعربياً وأمريكياً من فكرة فرض حل في إطار متعدد الأطراف. فمثل هذا الضغط الخارجي المنظم قد يكون أكثر قدرة على التأثير في السياسات الإسرائيلية مستقبلاً من انتظار تبدّل موازين القوى الداخلية بين مرشحين لا يطرح أي منهم أفقاً سياسياً واضحاً لحل القضية الفلسطينية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.