البيان المشترك السوري الإسرائيلي:

قراءة أولية لإطار الإدارة الأمنية والأفق الوطني

خلف عثمان، مركز تقدّم للسياسات – دمشق

مقدمة:
يشكل البيان المشترك الصادر في باريس بين الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا في 6 يناير 2026 تحولًا نوعيًا في التعاطي الدولي مع الملف السوري. بعد سنوات من التركيز على الانتقال السياسي وفق القرار الأممي 2254 ومسارات تفاوضية متعثرة، يقدم البيان إطارًا عمليًا جديدًا يركز على إدارة المخاطر الأمنية والاقتصادية بدل البحث عن حل سياسي شامل.
من خلال النص، يتضح أن البيان لم يتضمن بندًا صريحًا يعيد أو يؤكد تلقائيًا على اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، كما لم يشترط انسحاب القوات الإسرائيلية فورًا إلى خطوط ذلك الاتفاق. ما ورد يتركز على إنشاء آلية تنسيق مشتركة تحت إشراف الولايات المتحدة، تشمل تبادل المعلومات، خفض التصعيد العسكري، فتح قنوات دبلوماسية، وإدراج الفرص التجارية، مع غياب أي نص تفصيلي حول الإطار القانوني للحدود أو آليات التنفيذ المتعلقة بالمناطق التي احتلتها إسرائيل مؤخرًا.
يأتي هذا التحول في سياق دولي وإقليمي متغير، يتسم بتراجع الاهتمام بالقضية السورية، تصاعد الضغوط الأمنية على الحدود، وظهور أولويات جديدة تركز على الأمن والاستقرار الإقليمي أكثر من الحل السياسي الشامل. ويضع هذا الواقع دمشق أمام مسار متعدد المستويات يربط الأمن والسياسة والاقتصاد، مع إبقاء واشنطن في موقع التحكم المركزي، بينما تعتمد سوريا على روسيا كحليف استراتيجي للحفاظ على توازنها الأمني والسياسي واستقلال القرار الوطني في الملفات الجوهرية.
في ضوء هذه التطورات، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لهذا المسار أن يشكل منصة لتحقيق استقرار تدريجي يمهد لخطوات سياسية لاحقة، أم أنه سيمثل إطارًا دائمًا لإدارة الأزمة دون معالجة جذورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟

تحليل:
– يمثل البيان إطارًا عمليًا لإدارة المخاطر ويتميز بلغة مرنة تعتمد مصطلحات مثل “تفاهمات” و”آلية مشتركة” و”خفض التصعيد” بدل كلمات رسمية مثل “اتفاق” أو “معاهدة”، ما يمنح الأطراف مجالًا للتعديل أو التراجع.
– أبرز ما يميّز البيان هو الآلية المشتركة تحت إشراف الولايات المتحدة، والتي تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، خفض التصعيد العسكري، فتح قنوات دبلوماسية، وإدراج الفرص التجارية ضمن الإطار الأمني. هذه الآلية تمثل منصة متعددة الوظائف لإدارة المخاطر، إذ تتيح دمج البعد الاقتصادي تدريجيًا مع الأمن والسياسة، ما يشكل قاعدة لتطبيع وظيفي محدود قبل أي نقاش سياسي رسمي، في حين يبقى المجتمع السوري بتعبيراته السياسي المختلفة خارج التأثير المباشر لهذه الترتيبات.
– يمثل إدراج الاقتصاد ضمن الآلية خطوة لافتة، إذ يسمح بخلق شبكة مصالح مشتركة تربط دمشق بإسرائيل والولايات المتحدة، مع تمهيد الأرضية لاستثمارات محدودة أو مشاريع تجارية مشتركة، ما يعزز من الانخراط التدريجي دون إعلان سياسي صريح. وبذلك، يُستخدم الاقتصاد كأداة لترسيخ استقرار مشروط وتقليل المخاطر، بينما تظل القضايا الأساسية للسيادة الوطنية، بما فيها الجولان المحتل والسياسات الداخلية خارج إطار التفاهمات المباشرة، ما يعكس رغبة الأطراف في ضمان مصالحها قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية شاملة.

– يبنى المسار الجديد على ثلاثة محاور أساسية تتكامل مع الآلية المشتركة. يتمثل في:

المحور الأول:
المسار الجديد للترتيبات الأمنية والسياسية في سوريا يجعل القرارات المتعلقة بالأمن والسياسة الخارجية مرتبطة بالاعتبارات والمصالح الإقليمية والدولية، بدلاً من أن تكون مبنية على أولويات وطنية بحتة. بمعنى آخر، سوريا ستحتاج لموازنة خياراتها بما يتوافق مع توقعات أو مصالح أطراف خارجية مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة بالكامل، ويضع قيودًا على حرية الدولة في صياغة سياسات وطنية بمعزل عن هذه الحسابات الخارجية.

المحور الثاني:
يتمثل في تثبيت الاستقرار وتقليل المخاطر عبر التركيز على منع التصعيد العسكري وضبط الحدود وإدارة الاحتكاكات المحتملة، من دون معالجة جذور الصراع أو القضايا الأساسية مثل السيادة الوطنية، قضية الجولان، بنية السلطة، والعدالة، ما يؤدي إلى استقرار هش قائم على إدارة الأزمات وليس حلها.

المحور الثالث:
يعتمد على الاقتصاد كأداة للتطبيع الوظيفي، إذ يُستخدم لخلق شبكة مصالح تربط النظام السوري وإسرائيل والولايات المتحدة، مع إمكانية فرض واقع تدريجي قبل أي تسوية سياسية شاملة وبدون مشاركة واسعة للمجتمع السوري أو ضمانات شفافية ومساءلة. تعمل هذه الركائز معًا على إبقاء سوريا مضطرة لقبول الحدود التي ترسمها القوى الإقليمية والدولية، مع محدودية قدرة المجتمع السوري على التأثير في مسار التفاهمات.
– على صعيد الفاعلين المحليين، يوفر المسار للنظام السوري درجة من الاستقرار النسبي واعترافًا عمليًا بموقعه في إدارة الملف الأمني والسياسي، مع قدرة محدودة على التحرك بشكل مستقل ضمن الإشراف الأمريكي، واستنادًا إلى دعم روسيا، ما يسمح للحكومة بتقليل المخاطر المباشرة على الحدود وإعادة فتح بعض قنوات التفاعل الدولية.
– تبقى المعارضة الوطنية السورية خارج نطاق القرار المباشر في هذا المسار، مما يستدعي مراجعة استراتيجية دورها لضمان تمثيل القضايا الوطنية والقرار 2254 ضمن أي ترتيبات مستقبلية، مع المحافظة على استمرارية الآليات الأمنية الجارية وعدم تعريضها للخلل.
– ويظل المجتمع السوري، بما في ذلك المدن والريف واللاجئون، طرفًا محدود التأثير في هذه الترتيبات، حيث قد لا تترافق المكاسب الأمنية أو الاقتصادية المحتملة مع ضمانات واضحة للعدالة الانتقالية أو المشاركة السياسية أو عودة منظمة وآمنة للاجئين، مما يقلل من استفادتهم المباشرة من هذا المسار.
– على الصعيد الإقليمي، يعيد المسار ترتيب توازن النفوذ بين القوى الكبرى، إذ تظل الولايات المتحدة هي الضامن والمتحكم في العملية، بينما تلعب روسيا دورًا في دعم استقرار النظام، مع استبعاد إيران عمليًا من أي نفوذ فعلي داخل سوريا بعد خروج وكلائها، ما يجعل دمشق أقل خضوعًا لتأثيرات خارجية متعددة ويمنحها هامشًا محدودًا لتوجيه سياساتها وفق أولوياتها الوطنية.

خلاصات:
** يشكل البيان إطارًا لإدارة أمنية للصراع تحت إشراف أمريكي مباشر، مع تأجيل معالجة القضايا السياسية والسيادية الأساسية، بما يشمل السيادة الوطنية وبنية السلطة.
** يتيح إدراج الاقتصاد ضمن الآلية المشتركة تطبيعًا تدريجيًا ووظائفيًا، يسبق أي حل سياسي أو اعتراف رسمي، ويخلق شبكة مصالح يصعب التراجع عنها، مع مشاركة محدودة للمجتمع السوري.
** يمكن تقليل المخاطر واستثمار الفرص إذا ربطت الحوافز الاقتصادية بتقدم ملموس في الملفات السياسية والحقوقية، تهيئة شروط عودة اللاجئين، وإطلاق مسار عدالة انتقالية تدريجي.
** التحدي الأساسي أمام سوريا يكمن في تحويل موقعها من متلقي للتفاهمات إلى طرف فاعل قادر على إدراج مطالبه الوطنية ضمن أي ترتيبات جارية، لضمان ألا تصبح التفاهمات مجرد أداة لإدارة الأزمة دون معالجة جذورها، مع الحفاظ على الاستقلال النسبي للقرار الوطني، واستفادة دمشق من روسيا كعامل استقرار استراتيجي أساسي، مع استبعاد أي تأثير إيراني على الأرض.
** في الختام: ان تحصين الموقف السوري يتطلب التعجيل بعقد جلسات مجلس الشعب لإقرار القوانين الصادرة خلال الفترة الانتقالية، وإجراء التعديلات الدستورية اللازمة، إلى جانب إنجاز ملف المصالحات الوطنية بما يضمن مشاركة جميع المكونات، ودمج القوى العسكرية المسلحة ضمن جيش وطني موحد قادر على فرض الاستقرار والحفاظ على السيادة الوطنية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.