الانقلاب المُعلَن والردع الفوري: واشنطن تضع حزب الله أمام خياراته الأخيرة
ورقة سياسات.
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
ملخص تنفيذي:
-رد واشنطن الفوري يكشف عن استراتيجية خاصة بلبنان باتت مستقلة عن ملف إيران ومن أولويات إدارة ترامب.
-الرد جاء ليردع تلويح الحزب بانقلاب على الدولة اللبنانية، وليعلن الدعم الكامل لمؤسسات الرئاسة والحكومة والجيش في بيروت.
-جاء الرد ملتحقا بموجة عقوبات طالت ضباطا في الجيش والأجهزة الأمنية تهدف إلى ضرب “دويلة” الحزب داخل الدولة.
-جاء الرد لدعم المفاوضات المباشرة اللبنانية الإسرائيلية برعاية واشنطن ومنع الحزب من إجهاضها.
-جاء الرد فوريا حازما متزامنا مع انتقادات عنيفة من داخل الولايات المتحدة ضد ما تسرّب من اتفاق واشنطن-طهران.
تقديم:
بعد ساعات من كلمة ألقاها أمين عام حزب الله نعيم قاسم هدد فيها الدولة بإسقاطها إذا لم تتراجع عن قراراتها بشأن “حصرية السلاح بيد الدولة” والتفاوض المباشر مع إسرائيل، ردّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مهددا الحزب متوعدا إياه معلنا دعم بلاده للدولة اللبنانية. فما الذي استدعى تدخلا أميركيا على لسان وزير الخارجية بنفسه، وما علاقة التدخل الأميركي في الرد على مواقف لقاسم لطالما رددها قبل ذلك باحتمال توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق إطار لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية؟
قاسم: التهديد باسقاط الدولة:
في 24 مايو 2026، ألقى نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، كلمة أثارت ردود فعل أميركية. جاءت الكلمة في سياق المواجهات الجارية في لبنان وتوسيع إسرائيل هجماتها على مواقع الحزب والقرى جنوب وشمال نهر الليطاني، وفي سياق الرد على المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة التي تجري برعاية الولايات المتحدة وباهتمام خاص من الرئيس دونالد ترامب.
أورد قاسم في كلمته النقاط التالية:
1. رفض حزب الله القاطع للمفاوضات المباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، معتبراً إياها “مشروعاً أميركياً إسرائيلياً يهدف إلى تسليم لبنان وتجريده من قدرته الدفاعية”.
2. دعا إلى النزول إلى الشارع وإسقاط الحكومة إذا استمرت في هذا المسار، قائلاً إنه “من حق الشعب أن ينزل إلى الشوارع ويسقط الحكومة في مواجهة هذا المشروع”.
3. أكد استمرار “المقاومة” رغم وقف إطلاق النار، ورفض تسليم السلاح طالما بقيت الاعتداءات الإسرائيلية والاحتلال.
4. ربط أي نزع سلاح بـ “وقف كامل للعدوان وانسحاب إسرائيلي كامل”، مهدداً ضمنياً بالفوضى أو مواجهة داخلية إذا حاولت الدولة فرض سيادتها.
5. عبّر عن أمله في أن يشمل أي اتفاق أميركي-إيراني لبنان.
اعتبر مراقبون أن للكلمة توقيتا ورسائل، بحيث يستمر الحزب في وضع نفسه فوق الدولة اللبنانية، والاحتفاظ بحق استخدام العنف الداخلي للحفاظ على سلاحه. كما رأوا في الكلمة إعلان إيران الحفاظ على “ذراعها” في لبنان كورقة ضغط إقليمية، خاصة مع اقتراب إبرام اتفاق إطاري محتمل مع واشنطن. وأشاروا إلى أن نبرة كلمة قاسم أتت بعد ساعات من تلقيه رسالة دعم من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تتعهد بعدم التخلي عن “دعم الحركات المطالبة بالحق والحرية، وعلى رأسها حزب الله”.
واشنطن: مواجهة “الدولة العميقة”:
قبل 3 أيام فقط من كلمة قاسم، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات لافتة على 9 أشخاص في لبنان، في خطوة غير مسبوقة. وشملت العقوبات:
1. أربعة نواب من حزب الله متهمين بإعادة تنظيم الهيكل الإداري للحزب للحفاظ على وجوده المسلح.
2. شخصيات مقربة من رئيس مجلس النواب نبيه بري داخل حركة أمل.
3. ضابطان في الجيش اللبناني وآخرون في الأجهزة الأمنية متهمون بدعم لوجستي لحزب الله وعرقلة نزع سلاحه.
4. سفير إيران المعين في لبنان والذي لم تقبل بيروت تعيينه.
وصفت واشنطن هؤلاء بأنهم يعيقون عملية السلام ويحافظون على نفوذ حزب الله داخل المؤسسات الدولة. وجاءت العقوبات لضرب ما أسمي “الدولة العميقة” التي تسمح للحزب بالسيطرة، ودعم جهود نزع السلاح.
اعتبرت التحليلات أن العقوبات تعني:
– انتقال الولايات المتحدة من الخطاب إلى الفعل في سياسة واشنطن الخارجية حيال مواجهة حزب الله على نحو مستقل عن الصراع مع إيران.
– استهداف “الدولة العميقة” في لبنان من أحل قطع الروابط بين حزب الله والمؤسسات الرسمية، خاصة الجيش الذي يُفترض أن يكون ضامناً للسيادة.
– توجيه تحذير مباشر إلى بري وحركته (أمل) من الاستمرار في التحالف مع الحزب.
– دفع عناصر في الجيش على الالتزام بالدولة وردعها عن الخضوع لسطوة الحزب الذي سيطر على النظام السياسي والأمني في لبنان منذ انسحاب الجيش السوري عام 2005.
روبيو: الردٌ الفوري:
في اليوم نفسه لكلمة قاسم (24 مايو)، أصدر وزير الخارجية الأميركي ماروكو روبيو بياناً قوي اللهجة اورد النقاط التالية:
1. أدان “بأشد العبارات” الدعوة “المتهورة” لحزب الله لإسقاط الحكومة المنتخبة ديمقراطياً.
2. قال إن “حزب الله تجاهل الدعوات المتكررة من الحكومة الشرعية لوقف الهجمات واحترام وقف إطلاق النار، وبدلاً من ذلك استمر في إطلاق النار ونقل مقاتلين وأسلحة جنوب الليطاني. هذا حملة متعمدة لزعزعة استقرار البلد”.
3. أضاف أن الحكومة تعمل على التعافي وإعادة الإعمار بدعم أميركي كامل، بينما حزب الله يسحب لبنان إلى “الفوضى والدمار”.
4. أكد أن “تهديدات العنف والإطاحة لن تنجح”، وأن “عصر احتجاز دولة بأكملها كرهينة من قبل جماعة إرهابية يقترب من نهايته”.
اعتبر محللون أن الرد الأميركي، بهذا الشكل الفوري، يأتي في سياقات أهمها:
– الربط بين تهديدات قاسم والجهود الأميركية لضرب شبكة الدعم داخل الدولة (بما في ذلك الجيش والأمن ومقربي بري).
– دعم الحلفاء الشرعيين المتمثلين بالدولة بأركانها الرئاسية والحكومية والعسكرية والأمنية.
– رفض الاستمرار بقبول وجود ميليشيات ووكلاء غير شرعيين كما رفض التعايش الأميركي-الدولي مع “الاستثناء” في لبنان.
– بعث رسالة إلى إيران في سياق الاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة على رفض الاعتراف بالأذرع ومواجهتها حتى لو أغفل اتفاق الإطار ذكر ذلك.
المفاوضات ودعم بيروت:
تعتبر التحليلات أن تصريحات روبيو والعقوبات الأميركية ضد “الدولة العميقة” تعزز زخم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بحضور روبيو شخصيا، كما استضاف إحدى جلساتها البيت الأبيض بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتهدف تلك المفاوضات وفق ما صدر عن الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى تحقيق وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي من كامل الأراضي التي احتلها، ونشر الجيش اللبناني مع نزع سلاح حزب الله جنوباً.
وترى التحليلات أيضا أن سرعة الرد الأميركي على لسان روبيو يمنح الحكومة غطاءً دولياً لمواجهة الضغط الداخلي، ويردع أي انقلاب محتمل على منوال ما فعله الحزب في 7 مايو 2008 وما فرضه على النظام السياسي بعد ذلك من خلال اتفاق الدوحة في 21 من نفس الشهر.
وترجح بعد التقديرات أن يكون موقف واشنطن الفوري ضد مواقف زعيم حزب الله والداعم للدولة اللبنانية مقدمة لفتح باب دعم أميركي أكبر، سواء مساعدات عسكرية للجيش أو تمويل مشاريع إعمار مشروطة بنزع السلاح.
وترجٌح المصادر إضافة إلى زيادة الدعم العسكري والاستخباري للجيش، فرض عقوبات إضافية على مؤسسة “القرض الحسن” وشبكات التمويل الخاصة بحزب الله، وتقديم الدعم الدبلوماسي والاقتصادي للحكومة، والقيام بتدابير لمنع انقلاب حزب الله أو حدوث فوضى تستفيد من أي اتفاق إيراني.
وتضيف المصادر أن التحوٌلات الأميركية حيال لبنان تتوافق مع استراتيجية واشنطن الداعمة لبناء دولة لبنانية قوية قادرة على احتواء حزب الله، بغية خروج لبنان من نفوذ إيران على نحو مواز لخروج سوريا من هذا النفوذ.
خلاصة واستنتاجات:
**فورية الرد الذي اعتمدته واشنطن في التعامل مع تهديدات حزب الله غير مسبوقة في طابعها المباشر من قبل دولة كبرى في التعاطي مع طرف بعينه داخل لبنان.
**يمثل الرد تدخلا يتجاوز الدبلوماسية يهدف إلى ردع الحزب عن تنفيذ “انقلاب” يهدد به أمين عام الحزب على منوال انقلاب جرى عام 2008.
**يبعث رد روبيو ضد حزب الله بصفته أبرز “ذراع” لإيران في المنطقة رسالة إلى طهران برفض استمرار علاقة إيران بالأذرع حتى لو لم يتطرق الاتفاق الإطاري الأميركي-الإيراني إلى المسألة.
**رغم أن قاسم أعرب عن أمله في شمول لبنان بالاتفاق، لكن روبيو يؤكد أن أي صفقة ستتطلب تفكيك هذه الأذرع أو تقليصها جذرياً ورفض ربط حرب لبنان بحرب إيران.
**تستهدف العقوبات على ضباط في الجيش والأجهزة منع تحول الدولة إلى غطاء لحزب الله ويمهد لتدابير دعم لتقوية الدولة على حساب “الدويلة”.
**يعمل رد روبيو على تجنٌب استغلال الحزب للاتفاق الاميركي الإيراني واعتباره انفراجة تعزز نفوذه في لبنان، وعلى بعث رسالة للحزب في هذا الصدد.
**تهدف العقوبات التي قد تكون مقدمة لموجة عقوبات أخرى على ضباط في الجيش والأجهزة، إلى الدفع نحو “تطهير” المؤسسة الأمنية، مما يجعلها أكثر موثوقية في تنفيذ الاتفاق.
**تصادف رد روبيو مع انتقادات من قبل أصوات نافذة في الحزب الجمهوري الأميركي لما تسرٌب عن الاتفاق مع إيران ما دفع ترامب وإدارته إلى إظهار مواقف متشددة من إيران وذراعها في لبنان.