الانسحاب الأمريكي من نيجيريا.. تحول عقيدي أم انكفاء مؤقت؟

ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقدير موقف.

تقدبم:
أعلنت الولايات المتحدة في أوائل يوليو 2026 سحب معظم قواتها البرية والجوية المشاركة في العمليات المباشرة لمكافحة الإرهاب في شمال شرق نيجيريا وحوض بحيرة تشاد. يأتي هذا القرار بعد فترة قصيرة نسبياً من تعزيز الوجود الأمريكي في فبراير 2026، والذي تزامن مع إعادة تصنيف نيجيريا كـ”دولة مثيرة للقلق الخاص” تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب. بينما تبرر واشنطن هذا الانسحاب بنجاح نموذج “الدعم عن بُعد” والتعاون الاستخباراتي، وتحول التركيز نحو بناء القدرات المحلية، تشير المؤشرات إلى أن القرار يعكس مزيجاً من الحسابات السياسية الداخلية الأمريكية، والرغبة في تفادي التورط المباشر في مستنقع أمنى معقد، فضلاً عن استجابة جزئية لرغبة أبوجا في تنويع شركائها الأمنيين (خاصة مع تركيا). لا يعني الانسحاب نهاية التعاون، بل تحوله إلى صيغة أقل كلفة وأكثر مرونة، لكنه يترك فراغاً أمنياً قد تستغله جماعات “داعش غرب أفريقيا” و”بوكو حرام”، مما يضعف الاستقرار الإقليمي في حوض بحيرة تشاد.

المعطيات:
– في 2 يوليو 2026، أعلن الجنرال داغفين آر. إم. أندرسون، قائد القوات الجوية الأمريكية في أوروبا وأفريقيا، خلال إحاطة صحفية عقب مؤتمر رؤساء الدفاع الأفارقة 2026، إنهاء المرحلة التشغيلية المباشرة للقوات الأمريكية في شمال شرق نيجيريا. وأكد اندرسون أن واشنطن ستواصل تقديم الدعم الاستخباراتي، والمراقبة، والاستطلاع (ISR)، والمساعدات الفنية واللوجستية للقوات النيجيرية، دون وجود قتالي أمريكي مباشر على الأرض.
– فبراير 2026، نشرت الولايات المتحدة نحو 200 عنصر عسكري إضافي في نيجيريا، في خطوة وصفت بـ”التعزيز الطارئ”، وذلك بعد إعادة إدارة ترامب تصنيف نيجيريا إلى قائمة “الدول المثيرة للقلق بسبب انتهاكات الحريات الدينية وتدهور الأمن. رافق ذلك تعهدات أمريكية بدعم أمني مكثف.
– ديسمبر 2025 – مايو 2026: شهدت الفترة تصعيداً في العمليات المشتركة، بما في ذلك غارات جوية أمريكية بطائرات بدون طيار في ولاية سوكوتو، وعملية مشتركة كبيرة في مايو 2026 أسفرت عن مقتل “أبو بلال المنوكي”، النائب الثاني لقائد تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا (ISWAP).
– أبريل 2026، وقعت نيجيريا وتركيا اتفاقية تعاون عسكري واستخباراتي واسعة، تشمل تدريب القوات وتوفير طائرات مسيرة، مما يشير إلى بدء أبوجا في تنويع مظلتها الأمنية بعيداً عن الاحتكار الأمريكي.

التحليل:
– دوافع الانسحاب وأبعاده:
لا يمكن قراءة الانسحاب الأمريكي بمعزل عن ثلاثة محاور رئيسية: المحور السياسي الأمريكي الداخلي، المحور الأمني الميداني في الساحل، والمحور الجيوسياسي متعدد الأقطاب.
أولاً: العودة إلى نموذج “القيادة من الخلف”
• يعكس قرار الانسحاب انتصاراً للفكر العسكري الذي تبنته إدارات أمريكية سابقة (مثل أوباما) ويفضله حالياً صناع القرار في البنتاغون لتجنب ” فيتنام جديد” في أفريقيا.
• تقليل المخاطر السياسية: وجود قوات أمريكية مباشرة في نيجيريا يحمل مخاطر عالية لسقوط ضحايا أمريكيين، وهو ما يتعارض مع شعارات “أمريكا أولاً” التي تروج لها الإدارة الحالية، والتي تفضل تجنب الحروب الخارجية المكلفة.
• فعالية موهومة: يستند التبرير الرسمي إلى نجاح عملية اغتيال “المنوكي” كنموذج يحتذى به للدقة الاستخباراتية دون الحاجة لجيوش جرارة. لكن هذا يتجاهل حقيقة أن اغتيال القيادات نادراً ما يحسم الصراعات غير المتماثلة، خاصة أن تنظيم الدولة يتمتع ببنية قيادية لامركزية وقدرة سريعة على التعويض.

ثانياً: الديناميكية النيجيرية وتنويع الشركاء:
الحكومة النيجيرية ليست طرفاً سلبياً في هذه المعادلة. هناك مؤشرات على أن أبوجا دفعت باتجاه تقليل الاعتماد الحصري على واشنطن لعدة أسباب:

1. الشروط الأمريكية المشددة: ربط الدعم الأمريكي بتحسين سجل حقوق الإنسان والحريات الدينية (نتيجة التصنيف كدولة مثيرة للقلق) يمثل عبئاً سياسياً داخلياً للحكومة النيجيرية، ويجعلها عرضة للنقد المحلي من قبل التيارات المحافظة والعسكرية.
2. البديل التركي والروسي: توقيع الاتفاقية مع تركيا في أبريل 2026 يمنح نيجيريا بديلاً عملياً للطائرات المسيرة والتدريب دون الشروط الأخلاقية الصارمة التي تفرضها واشنطن. كما أن التقارب الخافت مع روسيا (في إطار مجموعة البريكس+) يوفر خيارات لوجستية بديلة.
3. السيادة الوطنية: هناك حساسية متزايدة في النخبة العسكرية النيجيرية تجاه أي وجود أجنبي مباشر على أراضيها، خوفاً من تكرار سيناريوهات دول الساحل (مثل مالي والنيجر) حيث أدى الوجود الأجنبي إلى زعزعة الشرعية المحلية.

ثالثاً: الثغرات الأمنية وتداعياتها الإقليمية:
• يخلق الانسحاب الأمريكي فراغاً في مجال الاستخبارات الدقيقة والمراقبة الجوية فوق حوض بحيرة تشاد، وهي منطقة وعرة تتقاطع فيها حدود أربع دول (نيجيريا، النيجر، تشاد، الكاميرون).
• صعود جماعات تنظيم الدولة الإسلامية رغم مقتل المنوكي، يؤكد ان التنظيم بات يسيطر فعلياً على أجزاء شاسعة من ولاية بورنو، ويمتلك قدرة على شن هجمات معقدة ضد الأهداف المدنية والعسكرية. وبالتالي فان غياب الغطاء الجوي الأمريكي الدائم قد يشجع التنظيم على استهداف قواعد الجيش النيجيري بقوة أكبر.
• تأثير الدومينو الإقليمي: قد يدفع انسحاب أمريكا دولاً أخرى في التحالف متعدد الجنسيات ضد بوكو حرام (MNJTF) إلى إعادة تقييم التزاماتها، خوفاً من تحمل العبء الأكبر بمفردها.

– السيناريوهات المحتملة لمسار الأزمة:
تتوزع التوقعات المستقبلية للوضع الأمني في شمال شرق نيجيريا وحوض بحيرة تشاد بين ثلاث مسارات رئيسية، تتفاوت احتمالاتها بناءً على تفاعل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية:
يُعد مسار “التصعيد الميداني واستغلال الفراغ” هو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير؛ حيث تشير المعطيات الحالية إلى أن جماعات “داعش غرب أفريقيا” و”بوكو حرام” ستسعى لاستثمار فترة الانتقال والانسحاب الأمريكي المباشر لتنفيذ سلسلة من الهجمات النوعية ضد أهداف عسكرية واقتصادية حيوية.
وفي حال نجحت الآليات الجديدة في الصمود أمام الموجة الأولى من الهجمات، فقد ينتقل الوضع إلى مسار “الاستقرار الهش”، وهو سيناريو متوسط الاحتمال يعتمد على فعالية الدعم الاستخباراتي الأمريكي عن بُعد وقدرة الشريك التركي على سد ثغرات المراقبة الجوية والتدريب. في هذا المسار، لن يتحقق أمن مستدام
أما مسار “التحول الجيوسياسي الكامل” فهو الأقل احتمالاً حالياً لكنه الأبعد أثراً؛ ويتمثل في فشل الشراكة الأمريكية-النيجيرية في العودة لمستواها السابق بسبب الشروط السياسية أو القصور العملياتي، مما يدفع أبوجا للتوجه بشكل كامل نحو المحور التركي-الروسي لتلبية احتياجاتها الأمنية.

الخلاصة:
الانسحاب الأمريكي من الوجود القتالي المباشر في نيجيريا ليس مجرد إجراء تقني، بل هو تحول استراتيجي يعكس إرهاق واشنطن من الحروب اللانهائية في أفريقيا، ورغبتها في نقل العبء إلى الشركاء المحليين والإقليميين. ومع ذلك، فإن هذا التحول يحمل مخاطر جسيمة:
1. عدم التوازن بين الطموح والواقع: الاعتماد على الجيش النيجيري الذي يعاني من مشاكل فساد وضعف معنويات قد لا يكون كافياً لاحتواء تهديد تنظيم الدولة المتطور.
2. التناقض بين السياسة والأمن: محاولة إدارة ترامب الجمع بين الضغط الحقوقي (تصنيف دولة مثيرة للقلق) والدعم الأمني ثم سحب الدعم المباشر يخلق رسالة مشوشة تضعف الثقة المتبادلة.
3. الفرصة للمنافسين: يفتح هذا الباب أمام تركيا وروسيا لتعزيز نفوذهما في قلب غرب أفريقيا، مما قد يقلص النفوذ الأمريكي طويل الأمد في المنطقة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.