الانتخابات النصفية الأميركية وحرب إيران: حدود الضغوط وأوهامها
ورقة سياسات:
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن
ملخص تنفيذي:
-تحدد الانتخابات النصفية لأي رئيس أميركي وجهة وقوة الإدارة التي يقودها في تنفيذ سياساته خلال بقية الولاية الرئاسية.
-حرب إيران تجعل من مهمة ترامب والحزب الجمهوري أكثر صعوبة في الحفاظ على الأغلبية في مجلسي الكونغرس.
-يحتاج ترامب إلى رافد انتخابي للحرب في إيران سواء عبر نتائج الحرب أو شكل ومضمون التسوية التي ستنتج اتفاقا.
-يعوّل الحزب الديمقراطي على الاستفادة من تداعيات الحرب على القدرة الشرائية لإقناع الناخبين بتعديل توازنات الكونغرس.
-على عكس ما يؤكد ترامب، فإن مصير بقية سنوات ولايته ترتبط بقوة الجمهوريين في الكونغرس وبتأثير حرب إيران على صناديق الاقتراع.
تقديم:
فيما يكرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأكيده عدم اهتمامه بالانتخابات النصفية المقبلة لجهة ما قد تشكّله من ضغوط على قراراته بشأن إيران، تعمل إيران على انتهاز فرصة مجموعة من الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة المتعلقة من جهة بالآثار الاقتصادية للحرب، ومن جهة أخرى بما يمكن أن تسببه من تداعيات سلبية على شعبية ترامب والحزب الجمهوري داخل صناديق الاقتراع. فما هي تلك الانتخابات، وما مكانها ومكانتها داخل الصراع الأميركي الإيراني؟
الحرب الخاسرة دوما للرئيس:
تمثل الانتخابات النصفية في النظام السياسي الأميركي اختباراً أولياً لشرعية أي رئيس بعد عامين من فوزه في الانتخابات الرئاسية. وعادة، ووفق استنتاجات تاريخية، يميل حزب الرئيس، جمهوريا كان أو ديمقراطيا إلى خسارة مقاعد في مجلسي النواب والشيوخ خلال الانتخابات النصفية الأولى لولايته، وهو نمط يعود إلى أكثر من قرن ونصف.
ويصوّت الناخبون في الانتخابات النصفية على 35 مقعداً من أصل 100 مقعد داخل مجلس الشيوخ، وعلى كل مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً.
وتُظهر الدراسات المتخصصة أنه، منذ الحرب العالمية الثانية، خسر حزب الرئيس في المتوسط 26 مقعداً في مجلس النواب و4 مقاعد في الشيوخ، مع استثناءات نادرة مثل عام 2002 في ولاية جورج بوش الابن بعد عام من هجمات 11 سبتمبر. ولطالما عكس هذا الاتجاه غالباً رد فعل الناخبين على سياسات الرئيس، أو تباطؤ الزخم الانتخابي الرئاسي السابق، أو تركيز الناخبين على قضايا محلية مثل الاقتصاد والضرائب.
في حالة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب خلال ولايته الثانية التي بدأت في 20 يناير 2025، تأتي انتخابات نوفمبر 2026 كأول اختبار كبير لهذه الديناميكية الرئاسية التي حملته إلى البيت الأبيض بأغلبية وازنة على مستوى الولايات وعلى مستوى الاقتراع الشعبي الشامل في البلاد. ويسيطر الجمهوريون حالياً على مجلس النواب بأغلبية ضيقة وعلى مجلس الشيوخ بأغلبية مريحة نسبياً.
ويعتبر المراقبون أن أي خسارة كبيرة تمنى بها الكتلة الرئاسية البرلمانية قد تحوّل الحزب الجمهوري إلى أقلية، مما يعيق قدرة ترامب على تمرير تشريعاته أو تعييناته القضائية، ويجعل الكونغرس أداة قوية بيد الحزب الديمقراطي المعارض تتيح لبرلمانييه التصويت على إجراء “تحقيقات” بحق الرئيس وإدارته، ما من شأنه تكبيل يد الإدارة والتسبب بإعاقة عملها.
وسبق أن أدت مثل هذه الخسائر إلى تقييد الرؤساء، على منوال ما حدث في عهد الرئيسين، باراك أوباما عام 2010 أو الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون عام 1994، بحيث أجبرت الخسائر ولايتي الرئيسين على إحراء تعديل في السياسات أو مواجهة عقبات تشريعية.
الحاجة إلى النصر:
تكتسب الانتخابات النصفية المقبلة التي ستجري في 3 نوفمبر 2026 أهمية خاصة للرئيس ترامب والحزب الجمهوري:
1. بالنسبة لترامب، تمثل فرصة لتعزيز حكمه ورفد سياساته في حال الفوز بغطاء تشريعي وشرعي واسع، كما تدعم مقارباته بشأن ملف إيران سواء في خيار الحرب أو خيار السلم والتسوية والاتفاق.
2. يعوّل الجمهوريون على الحفاظ على الأغلبية في المجلسين لدعم أجندة ترامب في الضرائب والحدود والطاقة.
3. خسارة السيطرة على أي من المجلسين قد تعني “تحقيقات” مكثفة حول قرارات ترامب في الشرق الأوسط، أو عرقلة تمويل العمليات العسكرية
4. الانتخابات هي اختبار لشعبية ترامب نفسه بعد فترة من الاستقطاب الشديد وظهور استطلاعات رأي مقلقة للرئيس وحزبه.
5. احتفاظ الجمهوريين بالكونغرس يوفّر غطاء لاستمرارية سياسة “أمريكا أولاً”، ما يعزّز علاقة الحزب والرئيس بتيار “لنجعل أميركا عظيمة من جديد” (MAGA) الذي أظهرت بعض دوائره وقادته وجود تحفّظات على خيارات ترامب في السياسة الخارجية.
تعكس استطلاعات الرأي حتى الآن بيئة صعبة للجمهوريين. ففي استطلاعات التصويت الشامل لعام 2026، يتقدم الديمقراطيون بفارق يتراوح بين 5 و8 نقاط أو أكثر. ويصل تأييد ترامب إلى أدنى مستوياته في الولاية الثانية بنسبة تقارب الـ 37 بالمئة، مع تصاعد نسبة معارضة واسعة لسياسته تجاه إيران.
ويظهر استطلاع “نيويورك تايمز” أن نحو ثلثي الناخبين يرون قرار الحرب خطأً، بما في ذلك ثلاثة أرباع المستقلين. كما أظهر استطلاع “إيمرسون” في مارس 2026 معارضة 47 بالمئة للعمل العسكري مقابل 40 بالمئة تأييداً. ويرتبط هذا الانخفاض، وفق خبراء، ارتباطاً وثيقاً بارتفاع أسعار الوقود والمخاوف الاقتصادية الناتجة عن تعطيل مضيق هرمز.
حرب إيران والصناديق:
يرى الناخبون، وفق الاستطلاعات أن حرب إيران التي استمرت 39 يوما بعد بدئها في 28 فبراير 2026، والتي تشهد حاليا هدنة منذ أبريل 2026، باتت عاملا رئيسيا في تشكيل المزاج العام الذي بات أكثر اهتماما بمآلاتها وأشد تخوفا من استئنافها وأعلى تدقيقا للتسويات المقترحة والمحتملة لإنهائها.
وقد أثرت الحرب، وفق الاستطلاعات، سلباً على مزاج الناخبين تجاه الديمقراطيين والجمهوريين وترامب. ويستغل الديمقراطيون الاستياء العام من حرب يصفونها بأنها “غير مبررة” لتعزيز رسالتهم حول الكفاءة والسلام، مما يعزز تقدمهم في الاستطلاعات بين النساء والمستقلين والأقليات.
أما الجمهوريون، فيحافظون على قاعدتهم الأساسية التي ترى في المواجهة ضرورة لمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية، وفق ما برح ترامب يردد بشكل يومي مثابر. غير أن تصاعد الخسائر الاقتصادية أدى إلى تآكل مستويات دعم الحرب، حيث يربط الناخبون ارتفاع الأسعار والمخاطر الأمنية بقرارات الرئيس ترامب، فيما يرى مراقبون أن تلك المؤشرات السلبية تذكّر باستطلاعات حروب العراق وفيتنام في مراحلها غير الشعبية.
في هذا السياق، تلعب الانتخابات النصفية دوراً محتملاً في التأثير على قرارات ترامب بشأن إيران، سواء في استمرار الحرب أو التوصل إلى تسوية. فيمكن أن تدفع الضغوط الانتخابية نحو تسوية سريعة لتهدئة أسعار الطاقة واستعادة بعض الدعم، خاصة مع مخاوف من ركود يؤثر على فرص الجمهوريين. وفيما قد تشمل التسوية اتفاقاً جزئيا يرفع بعض العقوبات مقابل قيود على البرنامج النووي وإعادة فتح المضيق، لكن الرأي العام الداخلي قد يستنتج تراجع ترامب عن الأهداف الكبرى التي أعلنها أو لمّح إليها ابتداء ما إسقاط النظام مرورا بتفكيك البرنامج النووي والصاروخي الباليستي انتهاء بوقف علاقة إيران بأذرعها في الشرق الأوسط.
الحرب أو التسوية:
فيما أن استمرار الضغط العسكري قد يحافظ على صورة “الرجل القوي” بالنسبة لترامب أمام قاعدته الانتخابية، لا سيما التقليدية الثابتة، غير أن في استمرار تلك الحرب بالشكل الارتجالي المرتبك الذي عرفته، ومن دون تحقيق الأهداف مخاطرة انتخابية قد تسبب للرئيس وحزبه خسائر متصاعدة.
يكرر الرئيس ترامب في مداخلاته على أن الانتخابات النصفية لا تمثل أي ضغوط عليه، تؤثر على قرارته بشأن الصراع مع إيران. وقد استخف ترامب بمحاولة إيران المماطلة في المفاوضات وشراء الوقت بانتظار تنازلات يقدمها بسبب انتخابات نوفمبر 2026 النصفية، مؤكدا أنه “لا يهتم” بهذه الانتخابات، وأنه يستطيع “الانتظار طويلا”، وأن الاتفاق يجب أن يكون قوياً يمنع إيران من أن تصبح دولة نووية.
ويعتبر مراقبون أن هذا الخطاب يعكس أسلوب ترامب في رفض الضغوط السياسية التقليدية، معوّلا على قاعدته في دعمه طالما حافظ على موقف حازم. ومع ذلك فإن الواقع الاستطلاعي يشير إلى أن الاستمرار في الحرب دون نتائج واضحة قد يعمق الاستياء العام.
ووفق هذا الواقع فإن مسار الحرب أو التسوية أو اتفاق منقوص يؤثر مباشرة على شعبية ترامب ونتائج الانتخابات وفق عدة سيناريوهات:
1. في حال النجاح في إبرام تسوية سريعة تعيد أسعار الطاقة إلى الاستقرار وتُظهر “انتصاراً”، فقد يستعيد ترامب وحزبه بعض الدعم من بين المستقلين الذين يركزون على الاقتصاد.
2. في حال كان الاتفاق جزئيا أو منقوصا لا يلاقي الأهداف التي برر فيها ترامب خيار الحرب، فإن الأمر سيعتبر ضعفا من قبل المحافظين المتشددين، ما قد يثير انتقادات داخلية ويقلل من حماس القاعدة.
3. في حال استمرار الحرب مع ارتفاع التكاليف الاقتصادية والخسائر البشرية، فقد يؤدي الأمر إلى تعزيز دعم الحزب الديمقراطي المعارض، لاسيما في المناطق المتأثرة بالأسعار المرتفعة، وما قد يؤدي إلى خسائر في صفوف الحزب الجمهوري أكبر من المتوسط التاريخي.
خلاصة واستنتاجات:
**تعتبر انتخابات نوفمبر النصفية لعام 2026 مناسبة دستورية مهمة لتقرير الكيفية التي سيدير بها ترامب وإدارته وحزبه البلاد في السنوات المتبقية من ولايته.
**بالنظر إلى أنه تاريخيا غالبا ما يفقد حزب الرئيس الانتخابات النصفية في أول اقتراع بعد الانتخابات الرئاسية، فإن الرئيس وحزبه يعولون بشكل استراتيجي على انتخابات نوفمبر للمحافظة على ديناميكية زخم الانتخابات الرئاسية.
**الأرجح أنه لا صحة للزعم بأن الانتخابات النصفية غير مهمة لترامب ولا يكترث لها ولا تؤثر على قراراته بالنسبة للصراع مع إيران.
**بات الصراع مع إيران عاملا أساسيا مستجدا يؤثر على مزاج الناخبين، فيما كانت العوامل الداخلية المعيشية هي الأكثر تأثيرا تقليديا.
**يحتاج ترامب إلى تقديم نصر واضح المعالم للكتلة الناخبة يتطابق مع أهداف الحرب على إيران، على الأقل في تحقيق هدف منعها من امتلاك قنبلة نووية.
**تسعى إيران، وفق تصريحات ترامب، إلى المماطلة لجعل استحقاقات مثل الانتخابات (إضافة “المونديال” واحتفالات الذكرى الـ 250 لأميركا) ضاغطة، ويسعى ترامب إلى نفي وجود ضغوط تؤثر على شروطه بشأن اتفاق مع إيران.