الانتخابات العراقية 2018 : قراءة فى طائفية المشهد السياسى

أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، فوز كتلة “سائرون” التي يتزعمها رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر في الانتخابات البرلمانية، وحصولها على ٥٤ مقعدا، وذلك فى الانتخابات التشريعية التى أُجريت في الثاني عشر من أيار/مايو ٢٠١٨. وقد حملت هذه النتائج عدة دلالات، في مقدمتها صعود نجم التيار الصدري من خارج النادي الذي تداول السلطة في العقد الاخير، وتراجع واضح في نسبة المشاركة فى الانتخابات ( اكثر من 55 % من المجمع الانتخابي )، في مؤشر واضح على فقدان الثقة بكامل العملية السياسية وروافعها الحزبية ، التي خلفت عبر الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق طبقة سياسية فاسدة نهبت البلاد وخلفت دمارًا واسعًا في المؤسسات والبنى التحتية وافقارًا متزايدًا للغالبية السكانية . واستمرارا لنهج  المحاصصة الطائفية والتدخلات الخارجية والإيرانية على وجه التحديد.

جذور الأزمة الطائفية في العراق

لا تعود أزمة العراق الى  الحدود المصطنعة التي تم رسمها فى عهد الاستعمار فقط، وإنما  فى كونها دولة سعت لتكوين أمة قسرًا ، فقد سعت الدولة  لتكوين وطنية عراقية موحدة على حساب المكونات الدينية والعرقية. وعلى مدار العقود الماضية منذ الاستقلال، فشلت السلطة السياسية العراقية فى تكوين سردية تاريخية موحدة حول ماهية العراق، إذ تمتلك كل طائفة وكل شريحة مجتمعية سرديتها الخاصة العميقة، التي صعدت الى السطح فور تفكك المادة الصمغية الهشة المتمثلة فى النظام التسلطي.

وبمجرد سقوط نظام صدام حسين فى العراق عام ٢٠٠٣، ظهرت الانقسامات الطائفية والمذهبية والقومية  ، وحاولت كل طائفة اثبات وجودها سياسيًا، فقد شكل التنافس بين الأغلبية الشيعية وبين الأقلية السنية في العراق محور صراع سياسي على الدولة ومؤسساتها منذ سقوط  صدام حسين، وبدلاً من أن تقوم السلطة الامريكية المهيمنة بترسيخ التعددية الحقيقية، قامت بمأسسة المحاصصة الطائفية، فى ظل إدارات حكم انتقالية منقسمة طائفيًا وعرقيًا، فتم تشكيل مجلس للحكم يضم ثلاثة عشر شيعيا، وخمسة من السنة، وخمسة من الأكراد، وعضو واحد لكل من المسحيين والتركمان.

أعاقت التوترات الطائفية محاولات بناء الدولة العراقية بعد الغزو الأمريكي، وزعزعت استقرار البلاد، ما أدى إلى ظهور فكرة المحاصصة الطائفية غير المنصوص عليها دستوريًا في كل مؤسسات الدولة ، كما يحدث فى لبنان، ليس لأن الدستور يفرض ذلك، ولكن لأن مجريات الواقع فرضت هذه الطائفية على المشهد السياسى. ولم تقم الحكومات العراقية المتعاقبة بأي محاولة واضحة للتغلّب على هذه الانقسامات من أجل بناء هويّة وطنية مشتركة، أو تحقيق العدالة والانصاف لكل المكونات المجتمعية. بل ظل الانقسام والاستقطاب الطائفي والعرقي هو السمة الغالبة على البلاد وتزايدت معه التدخلات الاقليمية.

المشهد السياسى ما بين التغييرات والابقاء على الوضع القائم

مازال العامل الطائفي يلعب الدور الرئيسى فى العملية الانتخابية فى العراق، سواء فى تشكيل التحالفات الانتخابية أو فى سلوك الناخبين، فالتحالفات والتكتلات الرئيسية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، قامت على محاولات المكون الشيعي الاصطفاف في تحالفات للمنافسة فيما بينهم، على الرغم من تنامى مطالبات بتشكيل أحزاب سياسية وتحالفات مدنية على خلفية الفشل الذريع الذي عكسته تجربة الأحزاب الشيعية الدينية ( حزب الدعوة ) التي توالت على حكم العراق منذ الانسحاب الأمريكي في ٢٠١١. وهذه المطالبات لم تخرج من السنة فقط بإعتبارهم الاقلية المهمشة، بل من تيارات شيعية أيضا، خاصة فيما يتصل بمحاربة الفساد السياسي والإداري والمالي والتبعية لايران .

لقد شهدت الانتخابات التشريعية العراقية ثلاث أنماط من التحالفات، النمط الأول هو التحالف على أساس الطائفة، أما النمط الثانى هو التحالف على أساس قومى، أما النمط الثالث والذى ظهر واضحًا لأول مرة منذ سقوط نظام صدام حسين، وهو النمط الذى يرفع شعارات مدنية.

شهد النمط الأول من التحالفات انشقاقات واسعة خاصة فى صفوف الطائفة الشيعية، فحزب الدعوة الذى احتكر المشهد السياسى لسنوات، دخل الانتخابات بقائمتين منفصلتين؛ إحداهما ترأسها رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، والأخرى ترأسها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. فقد حصلت قائمة “النصر”، التى يتزعمها العبادي على المركز الثالث ٤٢  مقعدًا، ويضم هذا التحالف عددًا من القوى والشخصيات السياسية التي من أهمها: كتلة الفضيلة، وحركة مستقلون، وتيار الإصلاح، وكتلة عطاء، وحركة بيارق الخير، ومعاهدون.

أما ائتلاف دولة القانون، الذى يتزعمه نوري المالكى فقد حل فى المرتبة الرابعة بعد أن حصل على ٢٥ مقعدًا، ويضم عددًا من الحركات والقوى السياسية التى من أهمها : تيار الوسط، وحركة البشائر الشبابية، وحزب دعاة الإسلام (تنظيم العراق، وحركة النور)، والانتفاضة والتغيير، وكتلة معًا للقانون، والحزب المدني، والتيار الثقافي الوطني.

أما التحالف الأكثر دعمًا من إيران هو تحالف “الفتح”، وقد جاء في المرتبة الثانية على مستوى العراق بعدد مقاعد يقدر بحوالي ٤٧ مقعدًا، ويتزعم التحالف هادي العامري، ويتكون من: منظمة بدر، والمجلس الإسلامي الأعلى، وعدد من الأحزاب والقوى السياسية، ويضم العديد من فصائل الحشد الشعبي.

أما على صعيد الطائفة السنية، فقد ظهرت عدة تحالفات مع استمرار حالة الانقسام والتشرذم بين مكونات  الطائفة ، تزايدت بعد انتهاء الحرب على داعش، وقد طالبت العديد من القوى السنية تأجيل الانتخابات حتى عودة النازحين إلى المناطق التي تم تحريرها من “تنظيم الدولة”  بإعتبارهم القواعد الانتخابية للتيار السني. ويعتبر تحالف القرار العراقي من أهم الكتل السنية، ويترأسه نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي وقوى وشخصيات سنية مختلفة في المحافظات الغربية ، وقد حصل التحالف على حوالي ١٣ مقعدًا. أما ائتلاف الوطنية، الذى يتزعمه نائب رئيس الجمهورية السابق والأمين العام لحركة “الوفاق الوطني” إياد علاوي، جاء فى المرتبة السادسة بعد أن حصل على ٢١ مقعدًا، ويضم حزب التجمع المدني للإصلاح، وائتلاف العربية.

بينما النمط الثانى من التحالفات، هو النمط الذى جاء على أساس قومى، متمثل فى التحالفات الكردية، وقد تعرضت القوى الكردية لانشقاقات على خلفية فشل مشروع الاستفتاء على الاستقلال الذي تزعمه الحزب الديمقراطى، فضلا عن بروز تكوينات حزبية كردية جديدة. ويعتبر الحزب الديمقراطي الكردستاني، أهم الاحزاب الكردية التى خاضت الانتخابات، وقد حصل الحزب على ما يقدر بحوالي ٢٥ مقعدًا، ويتزعمه “مسعود البارزاني” الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق. أما “الاتحاد الوطني الكردستاني” فقد حصد  ١٨ مقعدًا.

ويعتبر النمط الثالث، هو النمط الأكثر أهمية، ليس فقط لكون تحالف “سائرون نحو الإصلاح” حصد المركز الأول، ولكن أيضًا لانه تحالف مع قوى علمانية وشيوعية ورفع شعارات مدنية فى مواجهة الشعارات الدينية الطائفية التى سيطرت على المشهد السياسى، فقد حصدت قائمة “سائرون” المرتبة الأولى في الأصوات وعدد المقاعد البرلمانية على مستوى العراق بحصولها على ٥٤ مقعدًا، ويتزعم التحالف مقتدى الصدر، الذي يوصف أيضًا باعتباره ممثلا للشيعية العربية، فقد رأى ضرورة الخروج من عباءة الطائفية الدينية إلى العمل السياسى الوطنى الذى يعتمد على ايدلوجية وخلفية فكرية عابر للطوائف الدينية.

مؤشرات عدة يمكن رصدها في هذه الانتخابات، في مقدمتها تدني مستوى المشاركة الشعبية، فقد انخفضت  نسبة المشاركة حوالى ٢٠% عن الانتخابات السابقة، فقد بلغ عدد المشاركين في الانتخابات حوالي ٤٤.٥% من إجمالي الناخبين، وهذه النسبة تعتبر أقل نسبة مشاركة منذ انتخابات عام ٢٠٠٥. بعد حملات منظمة طالبت  بمقاطعة الانتخابات كنوع من الاحتجاج على الأداء الحكومي وعلى الأحزاب والقوى السياسية المشارِكة في السلطة التي أخفقت في بناء الدولة العراقية.

كما مارس بعض الناخبين أسلوب التصويت العقابى ضد سياسيين بعينهم اعتمدوا على التحشيد والتصعيد الطائفي في خطابهم السياسي مما أدى إلى فقدانهم مقاعدهم. ويعتبر فوز تحالف سائرون بالمركز الأول ، رسالة احتجاجية ضد الطائفية والطبقة السياسية الحاكمة وعلى رغبة بإصلاح النظام القائم.

شهدت الانتخابات بعض مظاهر كسر الاحتكار الطائفى والقبلى لبعض المقاعد والمناطق، فقد خسر بعض شيوخ العشائر والقبائل فى الانتخابات، على الرغم من كونهم رشحوا ضمن القوائم الانتخابية الكبيرة، وهذا له دلالة كبيرة فى سياق طائفى قبلى مثل الذى تعيش فيه العراق، فقد ضعفت الولاءات التقليدية الأولية عند نسبة كبيرة من الناخبين.

محاولات تشكيل الحكومة وسط تدخلات دولية

شهدت الدولة العراقية، منذ اعلان نتائج الانتخابات التشريعية، تنافسًا واضحًا بين إيران والولايات المتحدة الامريكية من أجل حسم عملية تشكيل الحكومة العراقية لصالح أحد الطرفين، فى الوقت الذى لم تنجح فيه أى من القوى السياسية أو الدينية الطائفية حسم الاغلبية البرلمانية المطلوبة ( 165 عضوا ) لتشكيل الحكومة. فقد خاض ٢٧ تحالفًا الانتخابات التشريعية الاخيرة، ولكن الكتل المتحالفة لم تحقق الاغلبية التى تسمح لها بتشكيل الحكومة بشكل منفرد وهى ٥٠% + ١ من مقاعد البرلمان، فى ظل قانون انتخابى يدعم انقسام القوى السياسية وعدم قدرة أى تيار على السيطرة بمفرده على صناعة القرار، ولكن هذه القدرة لا تتوقف على النظام الانتخابى فقط بقدر ما تتوقف على قدرة التدخلات الاجنبية على حسم تشكيل الاغلبية البرلمانية وتشكيل الحكومة.

فمن ناحية، تسعى  إيران لتجميع القوى السياسية الشيعية الرئيسية الموالية لإيران حول هادي العامري و رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وقادة ميليشيات الحشد الشعبي، عبر تشكيل شبكة من التحالفات تمكنها من تشكيل أغلبية برلمانية؛ لكى تغلق الطريق على ائتلاف “سائرون” الصدري . فإيران والمواليين لها لا يثقون كثيرا بالنزعة الاستقلالية للصدر، فهو يرفض التدخل الإيرانى فى الشان العراقى ويرى أن شؤون الحكم العراقية يجب أن تدار من قبل عراقيين وليس طهران أو واشنطن.

وعلى أثر هذا، قام  قائد فيلق القدس السيد “قاسمي سليماني” بزيارة إلى بغداد مؤخرًا، التقى خلالها كلًّا من زعيم ائتلاف الفتح “هادي العامري” وزعيم ائتلاف دولة القانون “نوري المالكي”، فضلًا عن زيارته إقليم كردستان، وذلك من أجل تشكيل تحالف واسع يكون قريبًا من طهران لا يخالفها فى مصالحها فى المنطقة ولا فى أحلامها التوسعية فى الشرق الأوسط، كما شملت الاتصالات الإيرانية كافة الكتل الفائزة في الانتخابات بما فيها ائتلاف “سائرون”. في مسعى اولي وهو توحيد كل الكتل الشيعية مع الاتحاد الوطني الكردستاني الموالي لطهران . وفى حال نجاح إيران فى تشكيل تحالف فى مواجهة ائتلاف سائرون سيكون مصير الصدر نفس مصير علاوى بعد انتخابات ٢٠١٠، حين فازت قائمته بالمرتبة الأولى ولكنها حرمت من تشكيل الحكومة بسبب التدخلات الخارجية، خاصة الإيرانية فى تحالفات ما بعد الانتخابات.

والجدير بالذكر، أن إيران دعمت عملية إنشاء ائتلاف “الفتح المبين” الذي يتزعمه القيادي في الحشد الشعبي “هادي العامري”، ونجحت فى جمع أكبر قدر من الشيعة المواليين لها، وعلى رأسها فصائل الحشد الشعبي التابعة لطهران، وأهمها “بدر” و”عصائب أهل الحق”، بالإضافة إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وبعض الأحزاب والكيانات الشيعية الصغيرة. وهي كتلة لا تنبع أهميتها من الدعم الايراني وحواضنها الشعبية وانما من استمرارها تهديدًا جديًا للامن والاستقرار في البلاد، خاصة وانها تمتلك نحو 150 الف مسلح، اتهمت بتفجيرات العاصمة العراقية مؤخرا .

ومن ناحية أخرى، حذر وزير الدفاع الأمريكى “جيمس ماتيس” فى شهر مارس الماضى من نية طهران التأثير على نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية، حيث أشار إلى أن بلاده تمتلك أدلة مثيرة للقلق على أن إيران تحاول التأثير باستخدام أموال طائلة على المرشحين والأصوات في تلك الانتخابات.

وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحقيق توازن معقول يعرقل المحاولات الإيرانية للسيطرة على الحكومة العراقية، وذلك من خلال مجهودات “بريت ماكغورك”، المندوب الأمريكي فى العراق، الذى يشارك فى إعداد كافة الترتيبات الخاصة بالدور الأمريكى فى العراق منذ ٢٠٠٣، كما تولى قيادة التحالف الدولي لمحاربة “داعش” عام ٢٠١٥ .

فقد قام بالعديد من المشاورات مع كافة التحالفات السياسية، نجح فى خلالها فى إنهاء مقاطعة الأحزاب الكردية للمشاركة في الحكومة الجديدة، والتي كانت تشترط إعادة الانتخابات في محافظة كركوك. وبالرغم من كون الولايات المتحدة تدعم حيدر العبادى للاستمرار فى رئاسة الحكومة، إلا أن ماكغورك يحاول تحسين العلاقة مع مع السيد “مقتدى الصدر”، لإنه على الرغم من كونه يعارض التدخل الأمريكي فى العراق، إلا إنه على الأقل لن يسمح باستمرار الهيمنة الإيرانية على صنع القرار فى العراق.

الخلاصة : على الرغم من ان الحوارات الاخيرة تشير الى ان كتلة برلمانية من الصدر والحكيم وعلاوي والبرزاني يمكنها تشكيل حكومة باغلبية نيابية ، إلا أن عوامل اخرى قد تؤثر في طبيعة الحكومة المقبلة ليس أقلها قدرة ايران وميليشياتها المسلحة على تفجير المشهد الامني العراقي في أى لحظة ، في حال استبعادها من الحكم ، والمشكلة الاخرى تكمن في قرار المفوضية العليا للانتخابات بإعادة العد والفرز اليدوي للصناديق ، واذا ما تجاوزت نسبة التزوير والخطأ 25 % من مجموع الاصوات، فإن إعادة الانتخابات البرلمانية يصبح في حكم المؤكد ، الامر الذي سيفتح البلاد على موجة جديدة من الفوضى والاقتتال الداخلي بين كافة القوى المتضررة والمستفيدة من إعادة الانتخابات ، وهذه المرة لن تكون الفوضى في المناطق السنية وحسب وإنما الشعية والكردية ايضا .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.