الانتخابات التركية: شكوك متزايدة حول الحسم لأردوغان وتحالفه

*مركز التقدم العربي للسياسات
أيام قليلة باتت تفصلنا عن موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية، هذه الانتخابات التي اعتبرها البعض بأنها الأهم في العصر التركي الحديث، كونها ستمنح الرئيس للمرة الأولى صلاحيات واسعة تمكنه من تشكيل الحكومة وحل البرلمان وإصدار مراسيم تعادل القوانين بقوتها.

حتى اللحظة لايزال الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان هو المرشح الأوفر حظا كما تظهر استطلاعات الرأي والتوقعات المختلفة، لكن في ذات الوقت تجمع الآراء أنها المرة الأولى التي يشهد فيها الرئيس وكتلته البرلمانية تحديا بهذه القوة منذ وصوله للسلطة مع حزبه عام ٢٠٠٢.

الخطورة هذه المرة لم تأت من تراجع شعبية الرئيس أو حزبه الذي فقد أغلبيته البرلمانية في عام ٢٠١٥، الأمر الذي أجبره حينها للتحالف مع حزب الحركة القومية ليعود ويتجاوز عتبة الأغلبية، لكن تتجلى خطورة الانتخابات القادمة في التحالف الضمني الغير متوقع والذي يكاد يكون غير منطقي بين قوى المعارضة، فهذا التحالف جمع النقيضين بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فلم يكن من المتوقع أن يتحالف حزب الشعوب الديمقراطي اليساري الذي يترأسه ديمرتاش والمحسوب على الكرد الأتراك مع حزب الشعب الجمهوري اليميني المعروف بمواقفه المعادية للكرد أو القوميات الأخرى في تركيا، لكن يبدو أن أحزاب المعارضة قد قررت تخطي الخلافات الأيديولوجية العميقة تلك ، في سبيل منع أردوغان وحزب العدالة والتنمية من الوصول إلى الرئاسة وبأغلبية برلمانية، حيث تعتبر المعارضة أن هذا من شأنه أن يحكم قبضة أردوغان على الحكم وتفرده بالسلطة لما سيمتلكه من صلاحيات واسعة تم إقرارها في استفتاء العام ٢٠١٧.وعليه فإن الخطورة التي يواجهها الرئيس الحالي تأتي من توحد قوى المعارضة لأول مرة سعيا لحرمان أردوغان  من الحصول على نسبة تفوق الخمسين بالمئة من الأصوات، وحرمان العدالة والتنمية من سدة الثلاثمائة وعضو والتي ستمثل أغلبية البرلمان الذي سترتفع عدد مقاعده في الانتخابات القادمة من ٥٥٠ إلى ٦٠٠ مقعد.

تردي العملة وحالة الطوارئ:

يعزي العديد من المراقبين أن قيام حزب العدالة والتنمية بتعجيل موعد الانتخابات كان بسبب المخاوف من استمرار تردي الاقتصاد التركي، والذي سيؤثر بدوره على شعبية الرئيس التركي وحزبه.

ومن المؤكد أن أردوغان كان له الفضل في نهضة وانتعاش الاقتصاد التركي منذ توليه السلطة في ٢٠٠٢ واحداثه طفرة بناء في تركيا مع سياسات اقتصادية ناجحة رفعت مستوى الدخل السنوي للفرد من ٣٥٠٠ دولار سنويا إلى نحو ١٠ آلاف سنويا، إلا أن الاقتصاد التركي شهد تراجعا حادا في الأشهر الأخيرة، تعزي بعضها الى تصريحات أردوغان الجدلية ، حول رفض البنك المركزي رفع سعر الفائدة ، وهو ما أفقد المستثمرين الثقة في الأسواق التركية وساهم بدوره بمزيد من الانخفاض الليرة الى نحو ٣٠ بالمئة من قيمتها منذ إعلان  حالة الطوارئ  في البلاد عام ٢٠١٦ عقب الانقلاب الفاشل.

في حين يشير العديد من النقاد ومنافسي أردوغان أن قانون الطوارئ ذاته مكن الرئيس التركي من اغلاق أغلبية الصحف والمواقع الإلكترونية المعارضة له، واعتقال الصحفيين والناشطين المناهضين لسياسته مستغلا حالة الطوارئ، ووصل الأمر لاعتقال رئيس حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديمرتاش، المرشح الحالي للانتخابات الرئاسية بتهم تتعلق بدعم الإرهاب. في حين يبدي العديد من المرشحين تخوفهم من التلاعب بنتائج الانتخابات وفرز الأصوات في ظل القانون القائم. وفي ذات السياق جرى نقل مراكز الاقتراع في الشمال الذي تتركز به أغلبية كردية، إلى مناطق تشهد تأييدا لحزب العدالة والتنمية، وان بررت الحكومة عملية النقل تلك بدوافع أمنية. يرى العديد من المراقبين أنها وسيلة أخرى للضغط على الناخبين الأكراد والتأثير على عملية الاقتراع، كما طالت الانتقادات أيضا التلفزيون التركي الرسمي الذي يفرد جل تغطيته لحملات أردوغان وحزب العدالة والتنمية مع هامش بسيط نسبيا لبقية المرشحين والأحزاب الأخرى.

  استطلاعات الرأي الأخيرة لاتزال تعطي للرئيس التركي وحزبه هامشا صغيرا فوق عتبة الأغلبية، لكنه في ذات الوقت يفتح باب الأمل لقوى المعارضة بأن اسقاط الرئيس التركي أو حرمان حزبه من الأغلبية أصبح في حدود الممكن ولم يعد ضربا من المستحيل كما كان سابقا، حين كانت صفوف المعارضة متفرقة ومشتتة، كما أن استطلاعات الرأي التي منحت أردوغان بين ٤٥- ٥٢ بالمئة ذاتها تحمل هامش خطأ يصل لنحو ٤ بالمئة، وهو ما يفتح باب التكهنات حول سيناريوهات باتت ممكنة وهنا يمكن تمييزها:

فوز أردوغان وحزبه:

وهو السيناريو الأقرب إلى التوقعات في ظل استطلاعات الرأي الحالية وفي حال حصوله سيعني تمتع أردوغان بقوة شبه مطلقة في تطبيق سياساته الداخلية والاقتصادية والخارجية، فهو قائد الدولة الواسع الصلاحيات ورئيس الحكومة وقائد الحزب الحاكم بذات الوقت، ما يخوله استكمال سيطرته على مؤسسات الدولة بطرق قانونية ومراسيم رئاسية يمكن تمريرها بسهولة في برلمان الأغلبية، ويصبح بإمكانه أيضا عزل كل الأصوات المعارضة لحزبه وتمكين المقربين منه أو المنضوين تحت جناحه في سيناريو يستكمل  الخطوات التي بدأ بها سابقا في مؤسسات الجيش والقضاء، بعد الانقلاب الفاشل الذي شكل ذريعة لعزل الضباط والقضاة والموظفين المستقلين أو المعارضين لحزب العدالة والتنمية، ما مكن أردوغان من إحكام قبضته على مؤسسات الدولة الرفيعة الأخرى، وداخليا ، من المتوقع أيضا أن يكون الملف الكردي من أولويات الرئيس مطلق الصلاحيات، والذي قد يمكنه من العمل بحرية على إيجاد حل شامل للمسألة الكردية بعد انتهاء العمليات الجارية الان ضد الجناح العسكري في جبل قنديل على الحدود مع العراق ، في محاولة منه لسد الطريق على استعمال المسألة الكردية كعب اخيل الامن القومي وورقة ابتزاز من الخارج ، وانهاء ثورة مسلحة انهكت البلاد اقتصاديا وعسكريا . وفق هذا السيناريو، يصبح مفهوما استعجال التدخلات العسكرية التركية في شمال العراق وسوريا في منطقة نفوذ مطلق بتوافق ورضى امريكي وروسي، تمكن أردوغان من العودة الى مشروع السلام مع الأكراد، وتوجيه ضربة قاضية لكل القوميين والمدرسة الأتاتوركية، تسوية تمنح الأكراد مزيدا من الامتيازات في اطار صلاحيات واسعة لإدارة مناطقهم والتمتع بممارسة ثقافتهم الوطنية ولغتهم الأم، مقابل تخليهم عن حلم الانفصال . وهنا لن يكون صعبا على أردوغان التخلي عن حليفه الضعيف في الحركة القومية، خاصة بعد انشقاق الغالبية مع حزب الخير الجديد.

الفوز بالرئاسة وخسارة الأغلبية البرلمانية:

وهو لم يعد مستبعدا بعد التراجع في شعبية حزب العدالة والتنمية، لكنه يبقى مرهونا بتخطي حزب الشعوب الديمقراطية عتبة العشرة بالمئة التي تخوله دخول البرلمان، وهو الأمر الذي تخشى بعض الأطراف ألا يحصل بسبب التلاعب الممكن بصناديق الاقتراع في المناطق الكردية، التي تشهد قبضة أمنية قوية ضمن حالة الطوارئ والحملة التي تشن على المسلحين الأكراد، لكن في حال نجح حزب الشعوب بتخطي عتبة البرلمان، حينها يصبح من الممكن أن يخسر تحالف الشعب بقيادة حزب العدالة والتنمية للأغلبية البرلمانية، ما  يعني وضع القيود مجددا على الرئيس التركي، حيث سيكون مجبرا على الرجوع للبرلمان للمصادقة على قراراته ومراسيمه، وإن كانت سلطة البرلمان ستكون أقل مما كانت قبل الاستفتاء الأخير، وفي هذه الحالة يبدو أن السيناريو الأقرب هو أن يقوم أردوغان بحل البرلمان والدعوة لانتخابات برلمانية جديدة، وهو الأمر الذي ألمح له ”دولت بهجلي“ رئيس الحركة القومية المتحالفة مع حزب العدالة والتنمية، حيث صرح قبل أيام أنه في حال فشل تحالفهم بالوصول للأغلبية البرلمانية فقد تشهد البلاد انتخابات برلمانية جديدة. لكن تبقى هناك فرضية أخرى قبل حل البرلمان وهي أن يسعى حزب العدالة والتنمية لاستمالة كتلة حزب الشعوب الديمقراطية، سيما وأن الأخيرة ستكون بموقع بيضة القبان وفي موقف حرج بذات الوقت، فهي لن تكون قادرة على التحالف مع القوميين الأتراك بسبب مواقفهم الجذرية من الكرد ،وبذات الوقت هي بذات الحرج بالنسبة للتحالف مع حزب العدالة والتنمية، إلا أن الأخير يبدو أقرب إليها مقارنة بتحالف الجمهورية الذي يشكل عماده حزب الشعب اليميني القومي، وعليه قد يستطيع حزب العدالة والتنمية الدخول بتحالف مع حزب الشعوب الديمقراطي إذا ما قدم بعض التنازلات قد تتمثل بالإفراج عن زعيم الحزب صلاح الدين ديمرتاش ومنح امتيازات قومية أخرى للحزب و قاعدته الشعبية.

خسارة أردوغان مع الاحتفاظ الأغلبية البرلمانية:

رغم استبعاد هذا السيناريو بسبب الشعبية الطاغية مقارنة بكل المنافسين، لكن لا شيء مستبعد في الانتخابات إذا ما حافظت على نزاهتها ولم يجر تزوير واسع بعد اطباق أردوغان قبضته على مفاصل الدولة والقضاء. كل سيظل مرهونا بأداء المنافسين محرم انجه مرشح حزب الشعب الجمهوري الشعبوي الأناضولي وكذا ميرال أكشنار مرشحة حزب الخير المنشق عن الحركة القومية والتي تعطيها الاستطلاعات نسبا متصاعدة دوريا. وإذا ما فشل أردوغان من الدورة الأولى، فان تصدعا كبيرا سيطال صورته ومكانته، وسترتفع الآمال الكبار بتكتل كل المعارضين والمستنكفين عن التصويت لوضع ثقلهم خلف المرشح الاوفر حظا. ولهذا لم يكن مستغربا ان تتوجه كل الحملات المعارضة نحو شخص أردوغان باعتباره العمود الفقري الذي يلتف حوله حزب العدالة والتنمية والأقليات التي ترى فيه منقذا، وسقوطه وتهشيم صورته يضعف من الوزن الكلي لتياره. هنا يوضع في الاعتبار، ان العديد من الدول الاوروبية الغربية تحديدا ترى في أردوغان القومي المحمول على عربة أيديولوجيا دينية يمثل خطرا يهدد أوروبا، التي يعيش فيها قرابة الخمسة وعشرين مليون مسلم، ربعهم تقريبا من الاتراك. ولهذا من غير المستبعد ان تستثمر هذه الدول وتضع ثقلها خلف المنافسين العلمانيين. وفي حال حدوث هذا السيناريو المستبعد في الوقت الراهن، فان التقديرات تشير الى احتمال دخول البلاد في حالة شلل سياسي واقتصادي فالنظام الرئاسي الذي شرعه أردوغان باستفتاء وفصله على مقاس شخصه وطموحاته سيكون بيد رئيس اخر، سيجبر هو الاخر على التعاطي مع برلمان معادي، ولن يكون امامه من خيار سوى حل البرلمان والدعوة لانتخابات برلمانية جديدة.

الخلاصة: مثلما تحبس الانفاس في تركيا بانتظار نتائج الانتخابات، فان العالم ينتظر أيضا الدخان الأبيض من أنقرة، نظرا لموقع البلاد على تقاطع استراتيجي واشتباكها مع العديد من الملفات الإقليمية والدولية الساخنة، فهي البوابة الى اسيا والشرق الاوسط والسد الذي يمنع تدفق ملايين لاجئي الحروب وعشرات القنابل البشرية الإرهابية الموقوتة. كما ان استدارات تركيا الأخيرة بين الحلف الغربي والروسي أربك كل المشهد التقليدي في العلاقات الدولية الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية أثناء الحرب الباردة. ويتزايد القلق مع اقتراب العام ٢٠٢٣، بانتهاء مائة عام على اتفاقيات لوزان وتعديلات سيفر، والتي قد تفتح شهية الاتراك للبحث في الدفاتر القديمة والمطالبة بتعديلات في الجغرافيا المجاورة التي لا زالت تعتبر حقوقا تركية مسلوبة في الوعي والثقافة القومية التركية. قبل أيام على موعد الانتخابات التركية تبدو الثقة التي يتحدث به الحزب الحاكم وزعيمه وكأن الامر بات محسوما، لكن استطلاعات الراي تضع شكوكا واقعية حول هذه الثقة الزائدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.