الانتخابات البلدية البريطانية 2026 وأزمة النظام السياسي البريطاني

ورقة سياسات .

حمزة علي – وحدة الشؤون الأوروبية، مركز تقدم للسياسات، لندن

تقديم وسياق:

أجرت إنجلترا في السابع من مايو 2026 انتخاباتها البلدية لاختيار أكثر من خمسة آلاف مستشار محلي في 136 منطقة، إلى جانب ستة رؤساء بلديات إقليميين، وانتخابات برلمانات اسكتلندا وويلز. وعلى الرغم من أن الانتخابات البلدية لا تُغيّر الحكومة المركزية مباشرةً، فإنها تُعدّ مقياساً دقيقاً للمزاج الشعبي، وقد جاءت نتائج هذا العام بحكم لا يمكن لوستمنستر – مقر الحكومة – تجاهله.

وصفت صحيفة فايننشال تايمز في الثامن من مايو النتائجَ بأنها “حطّمت الثنائية العمالية-المحافظة التي عمرت قرناً كاملاً”، مؤكدةً أن ما جرى ليس احتجاجاً مؤقتاً، بل تحولاً بنيوياً عميقاً. وبعد عامين فحسب من فوز العمال بأغلبية ساحقة، تشهد بريطانيا وفق الصحيفة تشظياً سياسياً غير مسبوق يجعل التنبؤ بنتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة أمراً عسيراً. وفي السياق ذاته، وصفت الغارديان في التاسع من مايو المشهد بـ”السياسة المتصدعة”، مصوِّرةً إياه بوصفه “تمرداً على الوضع القائم” من ناخبين طالبوا بالتغيير ولم يجدوا في العمال ولا المحافظين القدرة على تقديمه.

أولاً: المعطيات

– حزب الإصلاح: إعادة رسم الخريطة السياسية:
برز حزب الإصلاح بزعامة نايجل فاراج، الداعي إلى تشديد قوانين الهجرة والقومية الاقتصادية وسياسة الاحتجاج الثقافي، بوصفه القوة المهيمنة في ليلة الانتخابات؛ إذ حصد 1,349 مقعداً في المجالس المحلية وسيطر على 14 مجلساً محلياً، من بينها مناطق ظلت تحت حكم العمال نصف قرن. وكان أبرز انتصاراته الرمزية السيطرة على سندرلاند، المدينة الصناعية في شمال إنجلترا التي لم تنقطع عن المعسكر العمالي منذ عام 1973، إضافة إلى إسيكس التي أنهى فيها 25 عاماً من الهيمنة المحافظة. وفي لندن، أحكم الإصلاح قبضته الأولى على العاصمة عبر السيطرة على مجلس هافرينغ.

وقد فاز الإصلاح في المجمل بـ41% من المقاعد التي تنافس عليها. وتكشف بيانات الغارديان في العاشر من مايو أن مكاسب الحزب كانت الأكبر في مناطق الحرمان الاجتماعي-الاقتصادي، حيث ارتفعت نسبته بمعدل 30 نقطة مئوية في أكثر المجتمعات فقراً مقارنة بـ20 نقطة في المناطق الأكثر ثراءً. ووفق تحليل سكاي نيوز، تجاوز الحزب 45% في المناطق التي صوّتت بكثافة للخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، في حين انخفض دون 20% في مناطق التصويت للبقاء. وصفت فايننشال تايمز هذه الديناميكية بوضوح: النتائج تعكس “ناخباً متعباً من الركود الاقتصادي وتدهور الخدمات العامة، لم يجد في الأحزاب التقليدية ما يُروي ظمأه للتغيير.”

– الخضر: موجة المدن الحضرية:
في مقابل موجة الإصلاح في المدن الصناعية والمناطق المؤيدة للبريكست، شهدت إنجلترا الحضرية ولا سيما لندن زلزالاً موازياً لصالح حزب الخضر. وفق بي بي سي في العاشر من مايو، كان هذا أفضل أداء للحزب في تاريخ الانتخابات البلدية، إذ رفع حصته التصويتية وحصد أكثر من 400 مستشار جديد وطنياً. وخسر العمال سيطرتهم المطلقة على معاقل تاريخية في العاصمة كلويشام وهاكني ووولثام فورست، فيما انتقلت أربع مقاطعات لندنية أخرى إلى “السيطرة المفتوحة”. وللمرة الأولى في تاريخ لندن، انتُخب عمدتان مباشران عن الخضر: زوي غاربيت في هاكني وليام شريفاستافا في لويشام.

والأكثر دلالةً أن الخضر والعمال تعادلا بنسبة 31% و32% على التوالي في الدوائر التي تقل فيها نسبة السكان فوق الخامسة والستين عن 10%، مما يعكس أن جيل الشباب الحضري بات يمنح ثقته لخيار بديل. وقد وصفت الغارديان الخضرَ بأنهم في المدن البريطانية يحصدون شهية التغيير التي يحصدها الإصلاح في الأطراف.

العمال والمحافظون: مضغوطان من الجانبين:

دخل العمال هذه الانتخابات يدافعون عن أكبر رصيد من المقاعد، وخرجوا بخسائر فادحة على الجبهتين. وكانت الخسارة الأشد في لندن حيث كانوا يسيطرون على 21 من 32 مقاطعة فأصبحوا يسيطرون على تسع فقط، خاسرين أكثر من 450 مقعداً في ليلة واحدة. ولفت تحليل صحيفة التايمز إلى أن العمال يتضررون من صعود الخضر أكثر من تضررهم من صعود الإصلاح، مما يعني أن قاعدتهم الحضرية الأساسية تتآكل بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً.

وكان الحكم الافتتاحي على ستارمر قاطعاً؛ إذ وصفت فايننشال تايمز في التاسع من مايو فشل حكومته في تنفيذ وعودها الانتخابية بأنه “مثير للسخرية” رغم امتلاكها أغلبية برلمانية ضخمة، كما أثار قطع إعانة وقود الشتاء للمسنين – وهي إعانة لم تُدرج في برنامج الحزب الانتخابي – موجة غضب واسعة. وذهبت الغارديان في التاسع من مايو إلى أن الانتخابات “كشفت عن ناخب مغترب ليس فقط من الحكومة أو المعارضة، بل من المنظومة السياسية برمتها.”

أما المحافظون فقد عمّقت النتائج أزمتهم الهوياتية؛ إذ تفوّق الإصلاح عليهم بفارق واسع في أرجاء إنجلترا، مما يُثير تساؤلات جدية حول قدرة الحزب تحت قيادة كيمي بادينوش على استعادة اليمين السياسي. وكانت خسارة إيسيكس – معقل المحافظين التاريخي – الضربة الأكثر إيلاماً في الليلة. وقد انزلق كلا الحزبين دون عتبة 20% من التصويت الوطني للعام الثاني على التوالي.

– اسكتلندا وويلز وسؤال الوحدة:
خارج إنجلترا، حملت الانتخابات دلالات دستورية بالغة الخطورة. وصف أستاذ السياسة روب فورد من جامعة مانشستر ما جرى بأن “اسكتلندا كانت خيبة أمل لحزب العمال، أما ويلز فكانت كارثة.” فبعد قرن كامل من الهيمنة العمالية، تراجع الحزب إلى المرتبة الثالثة في ويلز دون أن يحصد مقعداً في كثير من الدوائر، فيما اكتسح حزب بلايد كيمرو الوطني الويلزي وهو على وشك تشكيل الحكومة الويلزية المقبلة.

وللمرة الأولى في تاريخ المملكة المتحدة الحديثة، ستكون كل حكومة منتخبة في الأقاليم المفوّضة الثلاثة – اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية – بيد أحزاب تُشكّك في الوضع الدستوري القائم وتسعى إلى تغييره. وهو تطور غير مسبوق يُضيف بُعداً دستورياً حاداً إلى الأزمة السياسية الشاملة.

ثانياً: التحليل:

– بريطانيا تدخل حقبة السياسة الخماسية:
لخّص أحد محللي فايننشال تايمز الواقع الجديد في عبارة واحدة: “مرحباً بكم في حقبة السياسة الخماسية.” فقد انهار النظام السياسي البريطاني القائم على تناوب الحزبين الكبيرين على السلطة؛ إذ بات الدعم يتشتت في اتجاهات متعددة متزامنة، مما يجعل تجميع أغلبية حاكمة مهمة بالغة التعقيد لأي حزب.

يُجسّد الإصلاح خطاب الاحتجاج في إنجلترا ما بعد الصناعة والمناطق المؤيدة للبريكست، فيما يستقطب الخضر شباب المدن والأحياء الجامعية. وتنتشر الأحزاب القومية في اسكتلندا وويلز. ولا يجد العمال ولا المحافظون لحد الآن مساراً واضحاً نحو استعادة الثقة الشعبية الواسعة.

– الجامع بين الناخبين المختلفين: الرفض لا الإيديولوجيا.
ما يجمع ناخب الإصلاح في سندرلاند وناخب الخضر في هاكني ليس التوافق الأيديولوجي بل الرفض المشترك: رفض طبقة سياسية يرى فيها الناخبون عجزاً عن تحسين مستويات المعيشة وتقديم خدمات عامة فاعلة وحوكمة رشيدة. والغضب المتجلي في هذه النتائج جذره الإرهاق من الركود والتراجع والوعود المنكوثة، أكثر مما هو التفاف حول قيم متطرفة.

– التداعيات الدستورية: تهديد وحدة المملكة.
يُشكّل التحول المتزامن في إنجلترا وويلز واسكتلندا نحو معارضة الوضع القائم ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ المملكة المتحدة الحديثة. وإذا كان انفصال رسمي يبقى بعيد الاحتمال في المدى المنظور، فإن اتجاه الحركة نحو مزيد من التشكيك الدستوري بات واضحاً ومتصاعداً بصورة يصعب على أي حكومة في وستمنستر تجاهلها.

ثالثاً: التحول البريطاني في سياقه العالمي،موجة لا استثناء:

ما تشهده بريطانيا ليس حدثاً معزولاً، بل هو تجلٍّ محلي لموجة تحوّل سياسي تجتاح الديمقراطيات الغربية بأسرها. ففي فرنسا، انهار الحزب الاشتراكي الذي حكم لعقود وتراجع اليمين الجمهوري التقليدي، لتتصارع قوى جديدة من طيفين متضادين يمثلهما التجمع الوطني بزعامة لوبان وحركة فرنسا الأبية بزعامة ميلانشون. وفي ألمانيا، شهدت الانتخابات الأخيرة تراجعاً تاريخياً للحزب الاشتراكي-الديمقراطي وصعوداً لافتاً لحزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، مما اضطر الأحزاب التقليدية إلى تشكيل ائتلافات غير مسبوقة. وفي هولندا، حقق حزب خيرت فيلدرز الشعبوي صدمةً انتخابية أطاحت بالنظام الحزبي التقليدي. وفي إيطاليا والسويد والنمسا، تتصدر أحزاب كانت تُعدّ هامشية قبل عقد حكومات الدول أو تمسك بأوراق تشكيلها.

والأمر لا يقتصر على أوروبا؛ إذ تشير المعطيات في الولايات المتحدة إلى تحولات بنيوية مماثلة تُهدد سطوة الحزبين الجمهوري والديمقراطي اللذين هيمنا على السياسة الأمريكية منذ منتصف القرن التاسع عشر. فقد كشفت ظاهرة ترامب عن فجوة عميقة بين قاعدة الحزب الجمهوري التقليدية ومزاج شريحة واسعة من الناخبين الغاضبين، وهي فجوة لا تردمها القيادة الحزبية، بل تستغلها حركات شعبوية تتجاوز الولاءات الحزبية التاريخية. وفي المقابل، يواجه الحزب الديمقراطي تساؤلات متصاعدة حول هويته وقدرته على استيعاب جيل جديد من الناخبين يرفض الوسطية التقليدية ويبحث عن أجندة أكثر جذرية.

والقاسم المشترك في هذه الموجة العالمية عاملان متشابكان: الأول هو أزمة الثقة في المؤسسات السياسية الراسخة التي رأى فيها قطاع متنامٍ من المواطنين صوتاً للنخب لا صوتاً للشعب. والثاني هو أزمة التوزيع الاقتصادي؛ إذ أفرزت عقود من العولمة وانفتاح الأسواق فائزين وخاسرين واضحين، وبات الخاسرون يبحثون عن تمثيل سياسي خارج الأحزاب التي يحمّلونها المسؤولية عن تراجع أوضاعهم.

وما يميّز اللحظة الراهنة عن موجات الاحتجاج السابقة هو أن التشتت لم يعد مؤقتاً يُعاد امتصاصه في الدورة الانتخابية التالية، بل بدأ يتكرّس مؤسسياً عبر صعود أحزاب جديدة راسخة، ووفاة أحزاب عريقة أو تهميشها إلى هوامش المشهد. وهو ما يعني أن الديمقراطيات الغربية تدخل مرحلة إعادة تشكيل للخريطة السياسية قد تمتد لجيل كامل، لا مجرد تصحيح دوري للمسار.

الخلاصة والاستنتاجات:

**تُمثّل انتخابات السابع من مايو 2026 قطيعة حاسمة في السياسة البريطانية الحديثة، ليس لأن حزباً واحداً برز مهيمناً، بل لأن المسلّمات التي أسّس عليها النظام السياسي لعقود جرى رفضها في آنٍ واحد ومن جهات متعددة.

**تُفرز هذه النتائج أربعة استنتاجات جوهرية: تشهد بريطانيا تشظياً سياسياً حقيقياً يجعل صياغة أغلبية حاكمة منفردة أمراً بالغ الصعوبة في انتخابات 2029، وقد فقد الحزبان التقليديان ثقة شرائح واسعة من الناخبين لأسباب مختلفة وفي مجتمعات متباينة مما يُعقّد استعادتها.

** تُشكّل سيطرة الأحزاب القومية على الحكومات المفوّضة الثلاثة- اسكتلندا، ويلز وأيرلندا الشمالية- سابقة دستورية خطيرة تُعيد فتح ملف مستقبل الوحدة البريطانية، فيما يُمثّل الغضب الشعبي المتجلي في هذه النتائج حالة إرهاق من الجمود والوعود المنكوثة أكثر منه التزاماً بأيديولوجيا بعينها، مما يعني أنه غير مضمون الولاء لأي طرف على المدى البعيد.

**دخلت بريطانيا حقبة سياسة مجزأة وتحالفات متقلبة، دون توافق حاكم واضح، ودون حزب قادر على جسر التقسيمات المتسعة في المجتمع. وما إذا كان هذا تحولاً مؤقتاً أم بداية إعادة تشكيل دائم للخريطة السياسية يظل سؤالاً مفتوحاً. لكن الثابت بالفعل أن التمرد على الوضع القائم لم يعد هامشياً، بل بات القوة المحركة الرئيسية في السياسة البريطانية.

**لا تقرأ هذه النتائج في معزل عن سياقها العالمي؛ فما تشهده بريطانيا امتداد لموجة تجتاح الديمقراطيات الغربية، حيث تتراجع الأحزاب التقليدية في فرنسا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وهنغاريا، أمام قوى شعبوية من الطيفين، فيما تواجه الحزبان الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة تساؤلات بنيوية متصاعدة حول قدرتهما على الحفاظ على هيمنتهما التاريخية. والقاسم المشترك في كل هذه الحالات عاملان متشابكان: أزمة ثقة في النخب السياسية، وأزمة توزيع اقتصادي أفرزت خاسرين من العولمة باتوا يبحثون عن تمثيل خارج المنظومة الحزبية الراسخة.

المصادر: فايننشال تايمز، الغارديان، بي بي سي، سكاي نيوز، التايمز، تحليلات روب فورد من جامعة مانشستر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.