الاعتراف بأرض الصومال: الدلالات الإسرائيلية وهواجس المنطقة

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
ورقة سياسات

ملخص تنفيذي:
-الخطوة الإسرائيلية تكتيكية تأتي قبل لقاء نتنياهو-ترامب وتستدرج ملفات اقتصاد وامن ودفاع وتهجير الفلسطينيين.
-الخطوة تستفز دول البحر الأحمر وتتلاعب بقواعد الأمن الإقليمي وموازين القوى في البحر الأحمر.
-الخطوة تفتح شهية الموجات الانفصالية في أفريقيا والشرق الأوسط على التمسك بتعويلها على نيل اعترافات دولية لمطالبها.
-بيانات الشجب والإدانة الرافضة لدول عربية وإسلامية وأفريقية وآسيوية هدفها بعث رسالة ضغط على واشنطن وتصويب موقفها الملتبس.

تقديم:
أثار اعتراف إسرائيل بإقليم “أرض الصومال” تساؤلات بشأن ما تشكله الخطوة من تلاعب بالنظام الإقليمي للبحر الأحمر، ومن تغيّر في موازين القوى وقواعد اللعبة الاستراتيجية في أفريقيا، لا سيما القرن الأفريقي. استفزّ الحدث، على نحو لافت مروحة واسعة من الدول في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، بانتظار وضوح موقف أميركي ما زال ضبابيا.

اعتراف بعد عقود الانفصال:
تقع أرض الصومال في شمال الصومال وتغطي مساحة تبلغ حوالي 176,120 كيلومتر مربع، مع ساحل يمتد لأكثر من 850 كيلومتراً على خليج عدن. كانت المنطقة تاريخيا جزءاً من محمية بريطانية حتى استقلالها في عام 1960، ثم اتحدت مع جنوب الصومال الإيطالي لتشكيل جمهورية الصومال. ومع ذلك، بعد حرب أهلية دامية في الثمانينيات تحت حكم محمد سياد بري، أعلن الإقليم استقلاله في 18 مايو 1991.
حققت أرض الصومال تقدماً ملحوظاً في بناء مؤسساتها الديمقراطية، بما في ذلك إجراء انتخابات متعددة وإقامة نظام قضائي مستقل، مما جعلها نموذجاً للاستقرار في منطقة تعاني من النزاعات مثل الصومال الجنوبي الذي يواجه تهديدات من حركة الشباب الإرهابية.
رغم ذلك، لم يتحوّل ذلك الانفصال إلى كيان معترف به دوليا، بحيث لم يحصل الإقليم الانفصالي على اعتراف الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة اللذين استمرا في اعتبار وحدة الصومال الفيدرالية أساسا للسيادة. بالمقابل اعتمد الإقليم على علاقات غير رسمية مع دول مثل إثيوبيا، التي وقعت اتفاقاً في يناير 2024 للوصول إلى ميناء بربرة مقابل اعتراف محتمل.
غير أن الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم يتجاوز حاجة “أرض الصومال” الذاتية إلى اعتراف دولي من خلال الاعتراف الإسرائيلي، لينخرط في سياق تصعيد النزاعات في القرن الأفريقي، بما في ذلك التوتر بين إثيوبيا ومصر حول سد النهضة، والحرب في السودان، والحملات العسكرية في اليمن ضد الحوثيين، ما يجعل من الحدث واجهة لاستراتيجية تمدد إسرائيلي في المنطقة.

قبل لقاء نتنياهو-ترامب:
في 26 ديسمبر 2025، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتراف إسرائيل الرسمي بإقليم أرض الصومال (Somaliland) كدولة مستقلة، ما جعل إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تتخذ هذه الخطوة. وقد صف نتنياهو القرار بأنه يأتي في إطار “روح الاتفاقات الإبراهيمية”، لكنه، حسب مصادر مراقبة إسرائيلية يمثل تحولاً دراماتيكياً في السياسة الخارجية الإسرائيلية نحو القرن الأفريقي.
تضع إسرائيل قرارها في سياق تصعيد التوترات الإقليمية، بما في ذلك الحرب في غزة والنزاعات في البحر الأحمر، بالإضافة إلى مشاريع تهجير فلسطينيين من قطاع غزة إلى الإقليم الصومالي. لكن الحدث يثير أسئلة عميقة حول التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، حيث يُنظر إليه كمحاولة إسرائيلية لتعزيز نفوذها الاستراتيجي في منطقة تشهد تنافساً دولياً شديداً.
لكن اللافت ان للحدث توقيتا مقصودا قبل أيام من لقاء يجمع نتنياهو مع الرئيس الأميركي في فلوريدا في 29 ديسمبر 2025، ما يعزّز إسرائيل بملف جديد للنقاش على طاولة المحادثات. ووفقاً لمصادر إسرائيلية، يهدف الاعتراف إلى مجموعة مكاسب أهمها:
1. تعزيز القدرات الجوية والاستخباراتية ضد تهديدات مثل الحوثيين في اليمن وإيران، من خلال الوصول إلى موانئ أرض الصومال مثل بربرة، الذي يطل على باب المندب، بوابة البحر الأحمر.
2. يرتبط الإعلان باتفاقات إبراهيم، التي سعت إسرائيل من خلالها إلى تطبيع علاقاتها مع دول إسلامية وأفريقية.
3. احتمال نجاح الخطوة بربطها بمخططات تهجير فلسطينيين من غزة، رغم نفي مسؤولي أرض الصومال لذلك.
4. استخدام نتنياهو هذا الاعتراف لتعزيز صورته كزعيم يوسع نفوذ إسرائيل، خاصة أمام ناخبيه اليمينيين.
5. يمثل الاعتراف فرصة لإسرائيل للدخول إلى منطقة غنية بالموارد، مع إمكانية بناء قواعد عسكرية، مما يعزز عمقها الاستراتيجي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وممر باب المندب المائي الدولي

غضب إقليمي دولي:
أثار الإعلان موجة من الإدانات الواسعة في مقدمتها من قبل جمهورية الصومال الفيدرالية التي وصفت الخطوة بأنها “عدوان غير قانوني”، معتبرة إياها انتهاكاً لسيادتها. كما عقدت جامعة الدول العربية اجتماعاً طارئاً، أصدرت فيه بياناً يرفض الاعتراف كخرق للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. كما أدان الاتحاد الأفريقي الخطوة، محذرا من سابقة خطيرة تهدد الاستقرار في أفريقيا. وشدد الاتحاد الأوروبي على احترام وحدة الصومال، بينما عبرت الصين عن “قلق شديد” ومعارضتها الشديدة.
غير أن اللافت كان صدور بيان في 27 ديسمبر 2025، أي في اليوم التالي لإعلان نتنياهو، ضم 14 دولة من دول الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، بما اعتبر تحركا جماعيا عاجلا لرفض ما تعنيه الخطوة من مسّ بموازين القوى وثوابت الأمن الإقليمي وامتداداته.
صدر البيان عن كل من مصر، وقطر، والجزائر، واتحاد جزر القمر، وجيبوتي، وغامبيا، وإيران، والعراق، والمملكة الأردنية الهاشمية، والكويت، وليبيا، وجمهورية المالديف، ونيجيريا الاتحادية، وسلطنة عمان، وباكستان، وفلسطين، وقطر، والسعودية، والصومال الفيدرالية، والسودان، وتركيا، واليمن، ومنظمة التعاون الإسلامي. ويضع البيان نقاطا فورية عاجلة على الحروف، مُبرزاً عناوين عدّة أهمها:
1. أدانة بأشد العبارات لهذا الاعتراف.
2. اعتباره يمثّل خرقا سافرا لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
3. اعتباره انتهاكا لسيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها.
4. الدعم الكامل لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية.
5. رفض أي إجراءات من شأنها الإخلال بوحدة الصومال وسلامته الإقليمية وسيادته على كامل أراضيه.
6. تأكيد الرفض القاطع لأي محاولات للربط بين هذا الإجراء وأي مخططات تستهدف تهجير أبناء الشعب الفلسطيني خارج أرضه.

هواجس المنطقة الاستراتيجية:
يكشف تحرك الدبلوماسية العاجل لا سيما من قبل مطابخ سياسية، يعتقد أن أهمها في مصر والسعودية، تهيّبت إقليميا وجماعيا للخطوة الإسرائيلية وفق هواجس أبرزها:
– تهديد وحدة الصومال وتشجيع حركات انفصالية أخرى في أفريقيا، مما يعيق جهود الاتحاد الأفريقي في الحفاظ على الحدود الموروثة من الاستعمار.
– تمنح هذه السابقة آمالا لكافة التحركات الانفصالية في عدد من دول المنطقة (لا سيما سوريا حاليا) بإمكانية حصولها على اعتراف ما زال مستحيلا حتى الآن.
– زيادة منسوب التوتر في البحر الأحمر، حيث يمنح الاعتراف إسرائيل إطلالة استراتيجية على باب المندب، مما يهدد أمن الملاحة الدولية لا سيما إثر صدور تهديدات عن الحوثيين في اليمن.
– يمثل الاعتراف تحدياً إضافياً لمصر خاصة مع علاقات إسرائيل المتزايدة مع إثيوبيا، مما قد يؤثر على أمن قناة السويس.
– ترى السعودية بالاعتراف خطراً على مصالحها في اليمن والقرن الأفريقي، خاصة بعد التصعيد الأخير مع المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن.
– ارتباط الاعتراف بقضية فلسطين، حيث يُخشى استخدامه كغطاء لتهجير قسري لفلسطينيين من غزة صوب البلد المعترف به.

موقف واشنطن الملتبس:
يُعتبر التحرك الدبلوماسي العاجل من جهات إقليمية ودولية متعددة مؤشرا إلى سعي لبعث رسالة ضغط على الولايات المتحدة لعدم مجاراة إسرائيل في الخطوة التي أقدم عليها نتنياهو، خصوصا أن موقف واشنطن ملتبس وحمّال أوجه ومثير للقلق.
وتقوم مواقف واشنطن على مؤشرات أبرزها:
1. إعراب ترامب عن معارضته للاعتراف الأمريكي بأرض الصومال في الوقت الحالي. قال إنه لن يتبع خطى إسرائيل فوراً، لكنه وصف الموضوع بأنه “سؤال مهم”.
2. إعلان ترامب في تصريح آخر أن الموضوع “تحت الدراسة”.
3. ذكرت تقارير أن الإدارة الأمريكية منقسمة داخلياً حول الاعتراف، مع بعض المسؤولين الذين يخشون أن يؤدي إلى تعقيدات في القرن الأفريقي.
4. ذكرت تقارير أن ترامب كان “يدرس” الاعتراف بأرض الصومال في أغسطس 2025، في سياق استراتيجي للحصول على قاعدة جوية وبحرية في ميناء بربرة قرب مدخل البحر الأحمر. ومع ذلك، لم يكن هذا تصريحاً رسمياً، بل تقريراً إعلامياً، ولم يؤدِ إلى خطوات عملية.
5. تشير تقارير إعلامية وتحليلات إلى أن وزارة الخارجية الأميركية تتبنى موقفاً حذراً يعيق أي خطوات سريعة نحو الاعتراف الأمريكي بأرض الصومال، رغم الضغوط من جهات أخرى في الحكومة الأمريكية، خوفاً من تأثيره على الاستقرار الإقليمي في القرن الأفريقي والعلاقات مع دول أخرى مثل الصومال الفيدرالية.
6. تشير التقارير إلى أن جهات في الكونغرس تؤيد الاعتراف بسبب الفوائد الاستراتيجية، مثل تعزيز العلاقات مع شريك مستقر في أفريقيا ومواجهة النفوذ الصيني أو الإيراني في المنطقة.
7. ظهور مشروع قانون يسمح للرئيس بالاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة منفصلة عن الصومال الفيدرالية قدمه النائب سكوت بيري في يونيو 2025، مشيراً إلى أن أرض الصومال أظهرت حكماً مستقراً لأكثر من 3 عقود، وأن الاعتراف يخدم المصالح الأمريكية في مواجهة الخصوم في أفريقيا.
8. ظهور رسالة للسيناتور تيد كروز، كرئيس لجنة الشؤون الخارجية الفرعية لأفريقيا في الكونغرس، إلى الرئيس ترامب يحثّه على الاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة، مشدداً على أهميتها الاستراتيجية.

خلاصة واستنتاجات:
**يعبّر قرار نتنياهو الاعتراف بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة عن استراتيجية تمدد إسرائيلي صوب القرن الأفريقي والبحر الأحمر ومضيق باب المندب.
**تعتبر دول البحر الأحمر أن الخطوة الإسرائيلية تتلاعب بثوابت الأمن الإقليمي، وتمثل تهديدا مباشرا لدول مثل مصر والسعودية.
**يعكس القرار الإسرائيلي جانبا جديدا من التوسّع تحت عنوان الأمن ورؤاه بعد واقعة “طوفان الأقصى”، بحيث تتمدد أذرع إسرائيل صوب القرن الأفريقي بعد غزّة والضفة ولبنان وإيران وسوريا … الخ.
**يتخوف من أن يكون للقرار علاقة بمشاريع إسرائيلية لتهجير فلسطينيين من قطاع غزّة صوب “أرض الصومال”.
**لا تثق الدول المعنية المعارضة بالموقف الأميركي على الرغم من تصريحات ترامب الرافضة للاعتراف الإسرائيلي، لا سيما ان المنطقة وردت على لسان ترامب سابقا كمنطقة تهجير للفلسطينيين وان هناك دعوات من الكونغرس لصالح الاعتراف.
**كان لافتا صدور بيان حازم رافض للخطوة الإسرائيلية من قبل 14 دولة، عربية وإسلامية وأفريقية وآسيوية، يُراد منه تسجيل موقف عالي النبرة عشية لقاء نتنياهو-ترامب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.