الاستدارة الإيرانية في سوريا: حرب روايات
تقدير موقف، د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
تقديم: تتخبط الروايات الصادرة عن مصادر إيرانية حول موقف طهران من الوضع الجديد في سوريا، وسواء عبر المنابر الرسمية أو تناقض الروايات المسرّبة تسعى إيران لتخفيف خسائرها على مستوى المنطقة بعد تأكد خسارتها في سوريا. نقرأ المقاربات الإيرانية من خلال رصد لمواقف ومعلومات ومعطيّات متعددة المصادر والغايات:
– قال مراقبون إن إيران تسعى لتمرير رسائل تنأى بها بنفسها عن الانهيار الذي أصاب النظام السوري السابق وتحميل رئيسه مسؤولية ذلك. وتركّز هذه الرسائل على أن الأسد رفض نصائح إيرانية تتقاطع مع أخرى روسية بالقبول بالتفاهم مع تركيا ولقاء رئيسها، رجب طيب أردوغان.
– تتناقض هذه الرواية مع مواقف تركية عبّرت عنها الصحافة القريبة من حزب “العدالة والتنمية” الحاكم عن غضب من ضغوط تمارسها إيران على الأسد لمنعه من الاستجابة للوساطة الروسية من أجل عقد لقاء بينه والرئيس التركي.
– تقول مصادر مراقبة إن طهران وفّرت للأسد بيئة حاضنة لمقاومة الضغوط الروسية بهدف عدم تشريع اتفاقات بين أنقرة ودمشق على منوال ما هو معمول به بين دمشق من جهة وطهران وموسكو من جهة أخرى. وأن إيران رافضة لتمدد التأثير التركي في سوريا كما رفضها له في العراق.
– تتحدث روايات إيرانية، تسربها منابر موالية، عن أوامر صدرت إلى الجيش السوري للانسحاب، أدت إلى سقوط النظام. وترى مصادر معادية لطهران أن هذه الروايات تهدف إلى التقليل من شأن التحوّل الحالي والترويج لنظريات المؤامرة والشبهة المصاحبة للعهد الجديد.
– تضيف هذه المصادر أن تقارير محايدة كانت تحدّثت عن هجوم شامل ومباغت لـ “هيئة تحرير الشام” وبقية الفصائل مدعّم بأسلحة حديثة منها مسيّرات مصدرها أوكرانيا قد فاجأت قوات الجيش السوري التي اضطرت لإعادة التموّضع.
– تقول التقارير أيضا إن مقاتلات الجيش السوري قصفت بشدّة جسر الرستن، ما أجير قوات الفصائل على سلوك طرق أخرى للدخول إلى حمص، كما أن الجيش السوري حشد قواته على تخوم المدينة لمنع تقدم قوات الفصائل جنوبا، ما ينفي تماما نظرية وجود أوامر لانسحاب الجيش السوري.
– نقل الاعلام الاجتماعي عن جنود سوريين في دمشق أنهم تلقوا أوامر من قيادتهم صباح يوم 8 ديسمبر 2024 بالانسحاب وتغيير ملابسهم والعودة إلى بيوتهم، ولم تسجل أي رواية من هذا القبيل قبل ذلك تفسّر ما حصل خارج دمشق منذ الهجوم على حلب مرورا بحماه وحمص.
– تتناقض الروايات الإيرانية التي يسرّبها مقرّبون من حزب الله بين كلام عن انسحاب وكلام آخر عن انهيار الجيش رغم الفرق الشاسع بين خلفيات الاحتمالين. بالمقابل تذهب الرواية الرسمية التي سردها وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى الحديث عن عامل نفسي (وليس أوامر عليا) أدت إلى انهيار الجيش السوري.
– يقول عراقجي، في 9 ديسمبر 2024، إنه عندما التقى وعلي لاريجاني (مستشار المرشد الإيراني)، الأسد قبلها بأيام، “كان متفاجئا واشتكى من سلوك جيشه”. وفي توصيف آخر، قال عراقجي “في رأيي، الجيش السوري أصبح أسير الحرب النفسية”. أضاف “عندما كنت في الدوحة للمشاركة في المنتدى (منتدى الدوحة 2024)، كان سؤال الجميع هو: لماذا تراجع الجيش السوري بهذه السرعة؟”. وهذا يعني أن طهران نفسها لم تدعم نظرية أوامر الانسحاب.
– في سياق الغموض الذي شاب عملية سقوط النظام خلال 11 يوما وشيوع نظريات بشأن وجود صفقة دولية شاملة، تسعى إيران للإيحاء بأنها كانت جزءا من هذه الصفقة، سواء في ما أورده عراقجي من أن “الموضوع الداخلي في سوريا، والحوار مع المعارضين أو ربما مواجهتهم، كان يتعلق بالجانب السوري نفسه، وفي النهاية ساعدناهم بالنصح والتشاور والتوجيه”. أي براءة إيران من أخطاء النظام السابق، أم بإيحاء آخر مفاده عدم تدخل أيران لمنع سقوط النظام.
– تسعى المعطيّات الإيرانية التي ينقلها مقربون إلى تحميل الأسد مسؤولية ابتعاده عن “محوّر المقاومة” وهو ما كان أشار إليه خامنئي، علما أن موسكو كانت تدخلت لدى طهران في الزيارة التي قام بها سيرغي شويغو سيرغي، الأمين العام لمجلس الأمن القومي، في 5 أغسطس 2024 للنأي بسوريا عن أي ردّ إيراني على إسرائيل، وأن زعيم حزب الله ألقى في اليوم التالي كلمة يعفي سوريا من المشاركة في الجهود العسكرية للمحوّر.
– تتهم هذه المعطيّات الأسد بالمسؤولية عن تخفيف التواجد الإيراني تلبية لمطالب عربية، علما أن مراجع عربية كانت اشتكت من غياب مؤشرات من هذا النوع، ناهيك من أن مستوى التغلغل الإيراني داخل سوريا لا يتيح للأسد ما يجبرها على التخفيف من تواجدها. علما أن ضربات إسرائيلية هي التي أدت إلى إعادة تموضع الوجود الإيراني والتخفيف منه، حسب المصادر الرسمية الإيرانية.
– تقول المعلومات إن آلافا من مقاتلي حزب الله توجهوا إلى جبهة حمص ومناطق القصير التي يسيطرون عليها وأنهم اضطروا للانسحاب مع آلاف من المقاتلين السوريين التابعين لإيران باتجاه البقاع اللبناني، وهو أمر أثاره برلماني لبناني. تضيف المعلومات أن طهران لم تجد تجاوبا من حكومة بغداد لتدخّل الحشد الشعبي، فيما قصفت قوات التحالف الدولي مجموعة مقاتلين تابعين لفصائل عراقية موالية لطهران اقتربت من منطقة البوكمال الحدودية. وتنسف هذه المعلومات مزاعم قرار إيراني بعدم التدخل لحماية النظام.
– في 17 ديسمبر، قالت وزارة الخارجية الإيرانية، إن وجود إيران في سوريا كان استشاريا وبطلب حكومي وإن خروجها منها كان “مسؤولا”. وأوضحت أنها ستعيد فتح سفارتها في سوريا بمجرد ضمان أمن السفارة وموظفيها. وأكدت أن علاقات إيران تاريخية مع سوريا و”نريد الخير لها وسياساتنا ستستمر في هذا الاتجاه”، لافتة إلى أن “هناك مبالغة بحجم ديون سوريا لإيران والمعاهدات الثنائية بيننا قائمة وستنتقل للحكومة القادمة”.
خلاصة:
**تسعى إيران لبعث رسائل إلى “العهد الجديد” في سوريا تنأى بها عن “أخطاء” الأسد واضعة التحوّل السوري في سياق صفقة كبرى كانت شريكة بها.
**تستخدم إيران خطابا دبلوماسيا لا يستفزّ التحوّل في سوريا، مؤكدة عبر وزارة الخارجية على العلاقات التاريخية مع دمشق والجهوزية للتعاون وإعادة فتح السفارة.
**تروج منابر مقربة من طهران لنظرية تتحدث عن أوامر أعطيت للجيش السوري سهّل تقدم فصائل المعارضة، وقد تمّ تسجيل شهادات عن الأمر في دمشق، فيما لم يثبت ذلك في معارك حلب وما بعدها وسُجل قصف جوي وحشود برية نظامية تنفي أي وجود لأوامر الانسحاب.
**بالمقابل تتحدث الرواية الرسمية الإيرانية عن وضع نفسي تسبّب بانهيار الجيش السوري وعن غموض أسباب عدم صمود هذا الجيش.
**تنفي الوقائع ما يُشاع عن قرار إيراني بعدم دعم النظام سواء من خلال تقدم ميليشيات تابعة لطهران من العراق ولبنان أو من خلال تصريحات إيرانية بالجهوزية للتدخل إذا طلب النظام ذلك.