الاتفاق الذي أعاد تعريف الهزيمة: قراءة في تداعيات الحرب الأمريكية-الإيرانية

قراءة في آراء مراقبين وخبراء غربيين

حمزة علي، مركز تقدم للسياسات – لندن

ورقة سياسات

تقديم:

يبدو أن الحرب الأمريكية-الإيرانية قد أوشكت على الانتهاء باتفاق يعلنه ترامب، يُتوقع أن يعيد فتح مضيق هرمز، ويوقف إطلاق النار بين الطرفين، ويفضي -تبعاً لذلك- إلى تراجع الهجوم الإسرائيلي على لبنان. غير أن الأهداف المعلنة للحرب، والتي صُممت من أجل إسقاط النظام في طهران وتحييد برنامجها النووي، لم تتحقق. ومع توقيع الاتفاق المرتقب في التاسع عشر من يونيو، بدأ المحللون الغربيون في قراءة المشهد وتقييم الرابحين والخاسرين، والديناميكيات الاستراتيجية الناشئة، وما تعنيه كل هذه المتغيرات بالنسبة لمستقبل القوة الأمريكية، والسياسة الإسرائيلية، والنظام الإقليمي برمته.

أوّلاً: ضعف الاتفاق وجذور الفشل الاستراتيجي الأمريكي.

نشرت صحيفة فاينانشال تايمز في الخامس عشر من يونيو تحليلاً لافتاً، أوضح أن مسؤولين أمريكيين ينظرون إلى الاتفاق باعتباره ليس مجرد خطوة لإعادة فتح مضيق هرمز، بل طريقاً لتفكيك البرنامج النووي الإيراني، وهو مطلب قديم لترامب. لكن المحللين أنفسهم يشككون في ذلك، ويرون أن الاتفاق، رغم كونه خطوة مرحب بها لوقف الحرب، يؤجّل القضايا الجوهرية، ويكشف عن المأزق الذي وقع فيه ترامب بعد أكثر من مئة يوم من القتال.

يصف أحد المحللين الاتفاق بأنه “ضعيف جداً بالنسبة للولايات المتحدة”، إذا ما قورن بالأهداف التي أُعلنت في بداية الحرب. جوهر الاتفاق -على حد تعبيره- هو إعادة فتح المضيق، وهو ما يثبت، بحسب المحللين، مقدار النفوذ الهائل الذي كانت تمتلكه إيران. فطهران استطاعت أن تقنع ترامب بأن إنهاء الحرب، حتى بشروط غير مواتية، أفضل من استمرارها. الأكثر إيلاماً، وفقاً للصحيفة، أن التهديد العسكري الأمريكي لم يعد ذا مصداقية. فطهران تدرك جيداً أنه مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، فإن أي عودة إلى العمليات العسكرية تبدو مستبعدة ومكلفة سياسياً، وهذا ما يعرفه الإيرانيون جيداً.

في السياق نفسه، نشرت مجلة ذي أتلانتيك تقييماً أكثر قسوة في الخامس عشر من يونيو، خلص إلى أن ترامب فشل في تحقيق أي من أهداف حربه التي اختارها بنفسه، وأنه يبدو اليوم مصمماً على الإنهاء السريع، وكأنه يوقّع على استسلام أمريكي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. والمقارنة التي أجراها المحللون قاسية ولكنها دقيقة: الإيرانيون حققوا أهدافهم الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها بقاء النظام، بينما لم يحقق الأمريكيون أيّاً من أهدافهم.

ثانياً: التداعيات الاستراتيجية الأوسع وهل نحن أمام تراجع أمريكي؟.

في مقال مطول نشره في السادس عشر من يونيو، يذهب جيريمي بوين، كبير المراسلين الدوليين في بي بي سي، إلى أن الحرب كانت “أسوأ خطأ في السياسة الخارجية” للرئيس ترامب. ويشير بوين إلى تلك المقاطع المصورة التي أعلن فيها ترامب بدء الحرب، وهو واثق من أنها ستكون قصيرة وحاسمة، ليخلص إلى أن ذلك لم يكن سوى خطأ مذهل في التقدير. الكابوس الذي كان يخشاه النظام الإيراني -وهو محاولة تغييره بالقوة من قبل أمريكا وإسرائيل- حدث فعلاً، لكنه فشل. وهذا الفشل، كما يوضح بوين، عزز النظام بدلاً من أن يضعفه. أمريكا، برأيه، ما زالت قوة عظمى تملك إمكانيات هائلة، لكن قرار ترامب الاندفاعي بالحرب على إيران يبدو وكأنه فعل قوة عظمى تكافح من أجل الحفاظ على هيمنتها في عالم يتغير بسرعة.

افتتاحية الغارديان البريطانية في الخامس عشر من يونيو حملت روحاً مشابهة، حين قالت إن الحملة التي أطلقت لإظهار القوة العسكرية الأمريكية، قد تُذكر في المستقبل لا كدليل على القوة، بل كدليل على حدودها. فمقياس النجاح الحقيقي، برأيها، ليس إعادة فتح المضيق، بل ما إذا كان الاتفاق سيؤدي خلال الشهرين المقبلين إلى تسوية نووية قابلة للتحقق، ويطفئ النيران التي أشعلتها الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية. وإذا فشل ذلك، فلن تكون الحرب سوى مقدمة لاستمرار التوتر، وستؤكد لكل ملك خليجي وتاجر نفط ومخطط عسكري أن إيران تملك قبضة خانقة على الاقتصاد العالمي. قد يكون هذا المشهد برمته، كما تقول الافتتاحية، مادة لتواريخ تُروي “قصة التراجع الأمريكي”، ذلك لأنها تكشف الفجوة بين القدرة العسكرية الهائلة والسيطرة الاستراتيجية المحدودة.

ثالثاً: نتنياهو بين المحاسبة السياسية والاستراتيجية.

ينتقل نمط الفشل نفسه إلى إسرائيل. فنتنياهو، الذي دفع بقوة نحو الحرب مع إيران، يخرج منها، وفق قراءة المراقبين، بفشل سياسي واستراتيجي مدوٍ. يكاد الإجماع أن الاتفاق سيكون “حكماً سياسياً بالإعدام” على نتنياهو، الذي راهن بمستقبله ومستقبل إسرائيل على قدرته على إقناع ترامب بتغيير النظام في طهران. هذا الرهان، كما يبدو، انفجر في وجهه.

في تقييم لاذع نشرته الإيكونوميست في السادس عشر من يونيو، وصفت النتيجة الإسرائيلية بأنها “فشل رائع” ، ليس فقط على المستوى الوطني، بل كضربة شخصية قاسية لنتنياهو نفسه. فهو الذي استثمر رأسمالاً سياسياً هائلاً في إقناع الأمريكيين بأن الحرب على إيران قادرة على تغيير الشرق الأوسط للأفضل، بل والإطاحة بالجمهورية الإسلامية. لم يحدث شيء من ذلك. مواجهة إيران كانت هاجس نتنياهو لعقود، وقاد إسرائيل مرتين إلى الحرب من أجل ذلك، لكن النتيجة اليوم هي أن إسرائيل أخفقت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وأضرت بعلاقاتها الحيوية مع أمريكا، كما أضرت بعلاقاتها مع دول عربية كانت تعتبرها حليفاً ضد إيران.

كل هذا، برأي المحللين، سينعكس سلباً على فرص نتنياهو في انتخابات أكتوبر. فمن الصعب أن يبيع نفسه كضامن لأمن إسرائيل بعد أن حقق القليل جداً في مواجهة إيران. والأصعب أنه لا يستطيع أن يظهر في خلاف مع ترامب، بعد أن بالغ في استعراض علاقته الخاصة مع رئيس يحظى بشعبية كبيرة في إسرائيل.

رابعاً: عزلة إسرائيل ومأزق نتنياهو.

في السادس عشر من يونيو، نشرت وول ستريت جورنال مقالاً يشرح كيف ينظر الإسرائيليون إلى الاتفاق. نتنياهو يتعرض لهجوم من كل الأطياف السياسية، من اليمين إلى اليسار، ممن يرون أنه قاد البلاد إلى حرب مضللة وأساء إدارة العلاقة مع واشنطن. إسرائيل اليوم في موقف صعب، إذ لا تستطيع تقديم تنازلات في مواجهة حزب الله، لأن أي تنازل قد يكلّفها علاقتها مع ترامب التي هي أصلاً متوترة. والأخطر أن النفوذ الإسرائيلي في الكونغرس وفي الرأي العام الأمريكي، الذي كان يشكل شبكة أمان سياسية، قد تراجع بشكل كبير.

مراسل بي بي سي للشرق الأوسط يعزز الفكرة بالقول “أن الاتفاق قدّم لنتنياهو “كابوساً سياسياً” حقيقياً، وحطّم الركائز الثلاث التي قامت عليها مسيرته السياسية، وتركه في مأزق أمني جديد:

– كيف لرجل قدّم نفسه على أنه “المتحدث السياسي” لواشنطن، وصاحب النفوذ الحقيقي على صناع القرار هناك، أن يُهمش بهذه الصورة العلنية المهينة من قبل حليفه الرئيسي؟

– كيف لرجل جعل مواجهة إيران جوهر سياسته الأمنية، أن ينتهي به الأمر مع نظام إيران في وضع أقوى مما كان عليه؟

– وكيف يمكن لإسرائيل، التي صوّر نفسه كـ”السيد أمن” لها، أن تصمد أمام مطالب واشنطن وطهران بوقف الهجمات على حزب الله في لبنان، قبل أشهر من الانتخابات؟

الخيارات المتاحة لنتنياهو، كما يخلص المراسل، ليست جيدة. فما كان متاحاً له في عهد أوباما -تجاوز البيت الأبيض عبر الكونغرس والرأي العام الأمريكي- لم يعد متاحاً اليوم. رسالة نتنياهو للناخبين كانت دائماً أنه الحامي الوحيد لإسرائيل، لكن الأحداث تجاوزت هذه الرسالة بشكل واضح.

خاتمة وخلاصات:

– تكشف الحرب الأمريكية-الإيرانية، وحلّها المخيب، عن مفارقة مذهلة: أقوى قوة عسكرية في العالم دخلت الحرب بأهداف كبرى -تغيير النظام، تفكيك السلاح النووي، تأكيد الهيمنة- وخرجت منها دون أن تحقق أيّاً منها. لقد أثبتت إيران، رغم التفوق العسكري الأمريكي، أنها تملك النفوذ الوحيد الذي يهم: القدرة على جعل تكلفة الحرب لا تُطاق. وأن يُحتسب اليوم إعادة فتح مضيق هرمز -وهو الشيء الذي ساعدت الحرب في إغلاقه- كنصر أمريكي، فهذا وحده يكشف عن حجم التحول في المعايير.
– أما إسرائيل، فخروجها من هذه الحرب أكثر عزلة، وعلاقتها بواشنطن متوترة، ونفوذها في الكونغرس متراجع، ورئيس وزرائها يواجه انتخابات مع القليل ليقدمه. لقد راهن نتنياهو بإرثه السياسي على قدرة القوة الأمريكية على إعادة رسم الخريطة الإقليمية لصالحه، لكن الرهان خسر.
– ما يمثله هذا المشهد، في عمقه، هو أكثر من مجرد حرب فاشلة أو قائد مهزوم. إنه حلقة جديدة في مسلسل طويل من عدم قدرة أمريكا على ترجمة تفوقها العسكري إلى نتائج سياسية، وهو نمط رافق العقدين الماضيين من سياستها الخارجية. المنطقة تراقب، والملكيات الخليجية والقوى الإقليمية والفاعلون من غير الدول سيقرأون الرسائل كلٌّ من زاويته. وإذا كانت هذه الحرب، كما يرى البعض، قد دخلت فعلاً في تواريخ التراجع الأمريكي، فإنها قد تكون أيضاً نقطة تحول في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، حيث لم تعد المسلمات القديمة للهيمنة الأمريكية مفترضة، وخريطة النفوذ تُعاد رسمها بهدوء، وبشكل قد لا رجعة فيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.