الإسلاميون بعد حرب حزيران ٦٧: تحول الصحوة الإسلامية الى هزيمة تاريخية

الشيخ الألباني في طرحه ينتصر للسنة وليس للقرآن وهذا جوهر المدرسة السلفية
بقلم: المفكر الاسلامي الدكتور احمد طعمة الخضر
مما لاشك فيه أن حرب حزيران 1967 قد أصابت الاسلاميين بالصدمة كما أصابت غيرهم وأكثر ، خصوصاً أن النكسة ترافقت مع سقوط المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين بأيدي الإسرائيليين ، هذا السقوط الذي يربطه كثير من الاسلاميين بما ورد في القرآن الكريم في بدايات سورة الاسراء .
أطرح في هذه الورقة نقطتين فقط ، وفي ظني انه لم تتم دراستهما كما ينبغي من قبل الباحثين والدارسين، وبالتالي فاتنا الكثير من المعرفة عن التطورات الفكرية والسياسية التي حصلت داخل صفوف الاسلاميين في تلك الفترة ، كما فاتنا تفسير الكثير من الظواهر الخطيرة التي ظهرت فيما بعد والتي أزعم أن جزء كبيراً منها قد تخلق مباشرة بعد حرب حزيران ١٩٦٧ ، ونتيجة مباشرة لها .
النقطة الأولى الخصومة الخارجية مع الأنظمة الحاكمة والنخب المتغربة، وتجلت بآراء الاسلامين في أن الهزيمة المرة تتحملها القومية العربية وبالتالي العلمانية والليبرالية . وكذلك بآرائهم في أن الخروج من هذه المصيبة لن يتم إلا من خلال صحوة إسلامية راشدة، وتبني الحل الإسلامي كبديل نهائي.
النقطة الثانية الخصومة الداخلية و تتعلق بالصراع الخطير الذي حصل داخل الصف الإسلامي الواحد بين المدرسة السلفية ، وبين بقية المدارس الفكرية الإسلامية الأخرى ، والذي انتهى بانتصار ساحق للمدرسة السلفية بكل ماتحمله من أفكار متخلفة على خصومها الإسلاميين ونجم عن ذلك بزوغ نجم السلفية الجهادية ، والقضاء على كل محاولات استئناف الاجتهاد الخجولة داخل ثقافة النص والتي حاولت تلمس طريقها بعسر شديد منذ بدايات القرن العشرين . وكان من أهم أهداف هذه الخصومة الداخلية هو احتكار النطق باسم الإسلام وقيادة المسلمين في مواجهة الخصومة الخارجية .
الخصومة الخارجية :
نكاد نجزم أن جميع الإسلاميين الحركيين دعاة الإسلام السياسي على تنوعاتهم ( الإخوان المسلمون والسلفية وحزب التحرير ، الخ ) ، وإلى حد ما المتصوفة وأبناء المدرسة المذهبية المشيخية التقليدية حملوا الأنظمة القومية العربية مسؤولية الهزيمة التاريخية في حرب حزيران ١٩٦٧ ، وأنه لولا تبنيها العلمانية وإقصائها الشريعة الإسلامية من أن تكون واقعاً معاشاً في حياة الناس ، وجلبها لأفكار غربية مستوردة لم تنبت بين ظهرانيهم وإكراه الناس على حملها ، لما حلت بالأمة هذه الكارثة الفظيعة ولما جعلنا الله أحاديث ومزقنا كل ممزق .
كما أن كل المجموعات السابقة وبأوجه مختلفة ترى أن الحل الوحيد لخروج الأمة من هذا المأزق التاريخي هو العودة لتبني الإسلام منهج حياة ( الإسلام هو الحل ) ، وأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .
ولقد تجسدت هذه الطروحات من خلال خطب ومؤلفات شخصيات إسلامية بارزة استطاعت استقطاب الرأي العام في البلدان العربية وساهمت في صياغة تكوين الجماهير الإسلامية في مرحلة مابعد حرب ٦٧ ، وخصوصاً بعد الافراج عن الاسلاميين في بداية عهد انور السادات في اول السبعينات .
من أبرز هذه الشخصيات المؤثرة كان الشيخ يوسف القرضاوي بكتابيه الشهيرين الأول فشل الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا والكتاب الثاني الحل الإسلامي فريضة وضرورة ، والكتاب الأول بدأ القرضاوي كتابته بعد حرب ٦٧ مباشرة وصدر في أوائل السبعينيات . وكذلك كتب الشيخ محمد الغزالي معركة المصحف وكتاب قذائف الحق وكتاب سر تأخر العرب والمسلمين وكتاب كفاح دين وكتاب ظلام من الغرب . وأيضا ما كتبه سعد جمعة رئيس وزراء الأردن الأسبق عن النكسة من كتب ، الله أو الدمار ، المؤامرة ومعركة المصير 1968 ، مجتمع الكراهية 1971 . وكذلك مجلة الشهاب اللبنانية ومقالات الشيخ فتحي يكن . وكذلك مجلة المسلم المعاصر ومقالات جمال عطية فيها . وكتب فتحي عثمان . وكتب الشيخ سعيد حوى في سوريا ومنها كتابه الشهير جندالله ثقافة وأخلاقاً والذي كتبه عامي ٦٨ و ٦٩ وكان له أثر هائل في تفكير كل جماعات الإسلام السياسي قاطبة بما في ذلك السلفية الجهادية . أما أشهر الخطباء والوعاظ فقد كان بلا شك عبدالحميد كشك والذي أفرج عنه في بداية عهد السادات في اوائل السبعينات ، فكان ناراً على عبدالناصر وفكره القومي والعلماني ، وتبنيه فكرة ، أنه لولا الوكسة لما أخزى الله عبدالناصر ، ولما أذل فكره المنحرف على حد تعبيره . وكذلك الشيخ متولي شعراوي الذي كان دائماً يردد أنه سجد لله ركعتين شكراً على نكسة ٦٧ ، وأن الحمدلله أننا لم ننتصر ونحن في أحضان الشيوعية .
ونستطيع أن نوجز أهم أفكار المرحلة:
– غالبية الطروحات كانت تركز على “جريمة” عزل الاسلام عن قيادة المجتمع وأن الحلول المستوردة من قومية وعلمانية وليبرالية وديموقراطية هي أسباب تحلل الأمة وضياعها ومالم يتم تعريتها وكشف مساوئها وأساليب خداعها وزيفها فلن نستطيع مواجهتها . لقد كان اثر التجربة الليبرالية سلبياً في المجال الاقتصادي والاجتماعي وعلى الحياة النيابية ، وهي فاشلة بكل المقاييس في بلادنا . أما الحل الاشتراكي فلا يقل سوءاً وفشل أخلاقياً لأن حملته قوم بلا مبادئ أو قيم وليس لديهم قدوة صالحة أو نبراس يقتدون به وكذلك فشلت كل دعوات الوحدة العربية وضعف أملنا بها تحت غطاء القومية العربية أو الاشتراكية الثورية ، وكيف قضت على الحريات العامة والخاصة وتدهور امن الوطن والمواطن ، وان قضية فلسطين لم تحل ولم تقترب من الحل ، وأن كل ذلك مرده الى الخلاف العقائدي بين المحافظين والثوريين اليساريين وهو خلاف لايرجى زواله الا بزوال هذه الافكار الدخيلة نفسها . كذلك تسببت الافكار الدخيلة بتكريس العوز والفقر والفاقة لدى الطبقات الفقيرة وضاع حلم الرخاء الاقتصادي ولابد لنا ان نسير الى الاسلام لنحل به عقد حياتنا ونعالج به مشكلاتنا . انهم لم يكونوا صادقين يوماً في قضية الديموقراطية السياسية والنزول على رأيي الأغلبية فجماهير أمتنا لم تكفر يوما بعدالة أحكام ربها ، ولم تتخل يوماً عن قرآنها وآن الاوان ان تتحرر من التبعية للغرب والشرق وترفض كل حل مستورد ، هذه الحلول لم تكن حتمية تاريخية ولم تكن ملائمة بل كانت معوقة وضارة بدنيا أمتنا فضلاً عن مناقضتها لدينها .
– إن الأنظمة الحاكمة تعتبر الكلمة الحرة مؤامرة عليها وتعتبر الكتاب الحر بضاعة ممنوعة . لقد دخلنا جحر الغرب فلدغتنا عقرب الليبرالية ، ثم دخلنا مرة أخرى فنهشتنا أفعى الاشتراكية ، ولو كنا مؤمنين حقاً ما لدغنا من جحر مرتين .
وطالما أن الحلول الدخيلة لم تتمكن من علاج مشكلاتنا ، بل زادتها تعقيداً ، فقد وجب البحث عن بديل وهذا البديل الفذ الذي يمكن أن ينهض بالأمة انما هو الحل الاسلامي وهو ليس قاصراً على جانب دون جانب وانما هو حل شامل يهدف الى أن يكون الاسلام هو الموجه والقائد للمجتمع في كل الميادين وكل المجالات المادية والمعنوية وأن تصبغ الحياة كلها بالصبغة الاسلامية … اي ان تكون عقيدة المجتمع وأخلاقه وشعاراته ونزعاته وتربيته وآدابه وقوانينه وتشريعاته اسلامية . وأنه لابد من اشاعة روح الجهاد والترغيب فيه وربط ذلك بعقيدة الاسلام حتى يستعذب المجاهدون التضحية من أجل الدين ويحبوا الموت في سبيل الله كما يحب غيرهم الحياة .
– ينبغي اعتبار المسلمين حيث كانوا أمة واحدة ، وكل مسلم أعتدي عليه فله حق النصرة ، والعمل على ازالة الحواجز المفتعلة بين بلاد المسلمين مع المعاونة والمناصرة للمسلمين من الأقليات المسلمة في شتى بقاع العالم .
– ولابد من اعادة البناء التشريعي من جديد بحيث ينص في الدستور على أن مصدر القوانين الوحيد هو الشريعة الاسلامية ، وبطلان كل قانون يخالفها مع النص على اقامة الحدود والعقوبات الاسلامية .
- أما سبل الوصول للحل الاسلامي فكثيرة منها سبيل القرارات الحكومية ، أو الانقلابات العسكرية ، أو الوعظ والارشاد ، او سبيل الخدمات الاجتماعية .
الخلاصة المرة
يلاحظ مما سبق أن هذه الطروحات كانت طروحات حاسمة قطعية تسعى الى مفاصلة مجتمعية بين التيار الاسلامي وبين الأنظمة الحاكمة والتيار الليبرالي والعلماني وكذلك التيار القومي ، وتعني عدم إمكانية التوصل الى قواسم مجتمعية وسياسية مشتركة في البلدان العربية والإسلامية . كما يبدو واضحاً انعدام الثقة بثقافة الآخر غربياً كان أم شرقياً . كما بدا واضحاً أن حملة مثل هذا الفكر يعتقدون اعتقاداً تاماً بامتلاكهم للحقيقة المطلقة وأن خصومهم شر مطلق ومرض عضال لا يرجى برؤه ، ونجم عن هذا عدم سريان ثقافة النقد الذاتي في صفوف الحركة الاسلامية ، وبالتالي عدم القدرة على تصحيح الأخطاء وإن كبرت ، وتحميل الآخر كل مآسي تخلف الأمة دون محاولة معرفة الأخطاء التاريخية ولا الإصابات الكبرى التي أصابت منهج التفكير العقلي لدى المسلمين عبر القرون . كما يبدو من هذه الطروحات أنه لا توجد إمكانية لتغييرات سلمية تدرجية في المجتمع وأنه لابد من أعمال ثورية تغير حال المسلمين الى أحسن حال ، وربما يفسر هذا انتشار العنف فيما بعد في مجتمعاتنا .
الخصومة الداخلية وصراع السلفيات:
قلت آنفاً أن من بين أهم أهداف الخصومة الداخلية التي اندلعت داخل صفوف التيار الإسلامي الواحد كان الصراع على من يحق له أن يتحدث باسم الإسلام ومن يقود المسلمين في خصومته الخارجية ضد الأنظمة الحاكمة والتيارات الليبرالية والعلمانية . وسنرى كيف أن هذا الصراع كانت له نتائج كارثية على الإسلام والمسلمين وساهم في انتشار العنف وإعادة إقفال باب الإجتهاد الذي سعى بعض علماء المسلمين منذ الإمام محمد عبدة أن يفتحوا بابه جزئياً و ضمن منظومة ثقافة النص الديني مع محاولة تفكيك المنظومات الفكرية المغلقة التي رانت على قلوب المسلمين عبر قرون الإستبداد والتخلف . وسنرى كيف أن ما سمي بالصحوة الإسلامية تحول الى هزيمة تاريخية لكل من هو عقلاني بين الإسلاميين ، وصولاً الى ترسيخ السلفية الجهادية وسحقها لكل التيارات الاسلامية الأخرى .
زمنياً كان أول صراع داخلي اشتعل داخل التيار الاسلامي وبعد الحرب مباشرة في العاصمة السورية دمشق بين الشيخين ناصر الدين الألباني ممثلاً للتيار السلفي و الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ممثلاً عن المشيخية التقليدية ذات الميول الصوفية حول قضية المذهبية واللامذهبية في صراع عنيف مسرحه مساجد دمشق غذته واستفادت منه الإستخبارات السورية التي كانت تهدف حينها الى إلهاء السوريين ودفعهم لنسيان النكسة من خلال نشرها لأشرطة كاسيت لكل من الشيخين فيها مناوشات سخيفة وعبارات مبتذلة إذ كان البوطي وتلاميذه يصفون السلفيين بالسخفيين والسفليين ، وكان الألباني وتلاميذه يصفون البوطي بالفوطي والبٰوطِي (الحذاء الكبير ) الخ ، ويمكن القول أن جميع الإسلاميين في سوريا اشتركوا بهذه المعركة وقتها وانقسموا بين الطرفين بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين فوقف التيار الإخواني الدمشقي برئاسة الشيخ عصام العطار ذو الميول السلفية ، الى جوار الألباني فيما وقف التيار الإخواني الحلبي ذو الميول الصوفية في حلب وحماة ومدن اخرى الى جانب البوطي ونافح عنه ، ويعتقد كثيرون من دارسي الاسلام السياسي في سوريا أن هذه الحادثة ( وخصوصاً بعد قرار العطار بعدم قبول أي منتسب جديد للإخوان في دمشق مالم يكن سلفياً ) ربما كان لها مع غيرها من الأسباب أكبر الأثر في الإنشقاق الشهير ١٩٦٩ الذي أصاب الإخوان المسلمين في سوريا وصولاً الى تبني العنف ١٩٧٩ وخصوصاً من قبل التيار الاخواني الحلبي الحموي ( حوى ، سعدالدين ، البيانوني ) .
أردت سرد هذه الحادثة بشيء من التفصيل قبل أن أدخل الى لب قضية المذهبية واللامذهبية لأقرر أن كثيراً من الصراعات الفكرية التي تبدو بسيطة في بداياتها تتطور لتبلغ شأواً كبيراً ومفزعاً وتقديري أن البداية الحقيقية لظاهرة السلفية الجهادية بدأت من هنا وستثبت الدراسات التاريخية الدور الخطير الذي لعبه الشيخ ناصرالدين الألباني وأشرطته المسجلة في التأثير على كل التيارات الإسلامية فيما بعد من خلال الفكرة القديمة التي جددها وطورها وحشد لها وقاتل من أجلها قتالاً شرساً ألا وهي فكرة اللامذهبية .
الشيخ ناصر الدين الألباني شخصية سلفية تتطابق في توجهاتها مع المدرسة الوهابية السعودية التقليدية في مسائل العقيدة وكلٌ يسير على خطى ابن القيم وابن تيمية ولكنه يختلف عنها في الفقه ذلك أن المدرسة الوهابية التقليدية هي حنبلية في المذهب الفقهي بينما الألباني لايلتزم مذهباً ويرى أن المذهبية حيدت عن الكتاب والسنة .
فكرة اللامذهبية فكرة قديمة طرحها رؤوس مدرسة أهل السلف قديماً وأعاد انتاجها بشكلها الحالي الشيخ ناصر وتتلخص بمايلي : بما أن مرجعيتنا كمسلمين هو النص قرآناً وسنة وبدرجة أدنى قول الصحابي ، وأن الله قد ضمن لنا حفظ الذكر ( قرآناً وسنة ) وأن الله قال عن نبيه صلى الله عليه وسلم ( وماينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ) وبالتالي فالسنة وحي ، فلايجوز لنا أن ندع النص لتقليد اجتهاد أحد من الناس ولو كان أحد الأئمة الكبار وأنه بإمكاننا أن نعود الى النص مباشرة دون العودة لكتب الفقه وأن أئمة الفقه هم رجال ونحن رجال ونستطيع أن نفهم النص مباشرة وخصوصاً اذا كان سنة دون العودة اليهم ، وأن الإمام الشافعي قد أقر في كتابه الشهير الرسالة ( أول كتاب في أصول الفقه ) أنه اذا صح الحديث فهو مذهبي ، وعندما يصح الحديث فلن ندعه لقول أحد لاندري أيصيب أم يخطئ .
رفض الدكتور البوطي هذا وطرح وجهة النظر المذهبية المشيخية التقليدية القائلة بأن باب الاجتهاد قد أقفل منذ القرن التاسع لعدم ظهور أحد من البشر قادر على الإلمام بكل العلوم الأربعة عشر المؤهلة لأن يكون أحد من الناس بمرتبة الإجتهاد المطلق ، لذلك لابد أن يقلد الانسان مجتهداً لأنه إما أن يكون مجتهداً أو أن يكون مقلداً وأن فيما قاله الأئمة الأربعة وتلامذتهم ما يغنينا ويكفينا ، وأن المحْدٓثين لايمكن أن يكونوا رجالاً كالرجال الاقدمين علماً وفضلاً ، اضافة الى أن النص ليس سنة فقط بل هو بالدرجة الأولى قرآن يحتاج الى كبار علماء اللغة والبلاغة لإدراك معانيه ، كما طرح البوطي مسألة أن النصوص تتناهى بينما الحوادث لاتتناهى وبناء على ذلك فمن غير الممكن أن يستوعب النص كل الحوادث النازلة بالناس ولابد من اجتهاد الأئمة المشهود لهم بالفضل والعلم والأخذ بما اتفق عليها جمهور الفقهاء من أنها مصادر للوصول الى الفتيا كالقياس والإجماع والمصالح المرسلة الخ ، وقد رد الألباني على ذلك بأن ماوصفه ابن القيم بأنه العلم ( اليقين المطلق ) قال الله ، قال رسوله ، قال الصحابة ، يكفينا وأنه علينا أن نبذل جهوداً أكبر لتصحيح الأحاديث النبوية الشريفة خدمة للفقه . وأنه لابد من التزام مذهب السلف في اتباع النص وعدم اتباع الهوى .
تمخضت هذه المعركة الشرسة عن انتصار الألباني وانتشار طروحاته خارج سوريا وليس داخلها مؤسسا لبدايات تشكيل المدرسة السلفية العلمية التي تطورت فيما بعد الى السلفية الجهادية بعد ضم البعد الحركي لطروحات المودودي وسيد قطب اليها مشكلة أخطر فكر يمكن أن يتبناه مسلم .
ملاحظات ونتائج لهذه المعركة التي انتقل أثرها الى كل العالم الاسلامي
- يلاحظ أن كلا الطرحين كان طرحاً فكرياً متخلفاً ويغلق باب الاجتهاد من الناحية العملية ، هذا الباب الذي نحن بأمس الحاجة لفتحه كي نكون أقرب الى روح القرآن و معاصرين في آن واحد في عالم لانعيش فيه وحدنا و بلغ حداً بالغ التعقيد في فلسفته وطروحاته الديموقراطية المتعددة . لابل أقول أن انتصار مدرسة الألباني فيما بعد قد قضت على المحاولات الخجولة التي طرحها الشيخ يوسف القرضاوي وغيره من معتدلي السلفية ، وأعادوا فيها تقسيم الناس الى ثلاثة أقسام مقلد ، ومجتهد ، ومتبع ( المتبع هو من يستطيع التمييز بين الأدلة الشرعية ويتخذ من أقوال الأئمة مايجد أنه أقرب الى الكتاب والسنة دون أن يقلدهم تقليداً أعمى دون بينة ) ، وأن معظم الناس ممن تعلموا في المدارس والجامعات ليسوا من المقلدين بل من المتبعين . أو ماقرره الدكتور فتحي الدريني وكذلك البوطي بمسألة إجتهاد نقطة والتي تعني أن أي إنسان أحيط علماً بنقطة معينة من جميع جوانبها حق له الاجتهاد فيها ولو لم يكن يملك درجة الإجتهاد المطلق . أو اجتهادات الدكتور الترابي في القضايا السياسية وأنه لاينبغي أن نقبل من السنة في دستور السودان مالم يكن قطعي الثبوت قطعي الدلالة لأن القضايا العامة التي تهم سائر الناس وفيها إراقة للدماء لايجب أن يؤخذ فيها خبر الآحاد ظني الثبوت قطعي الدلالة . أقول هذه المحاولات الخجولة والتي توصف بأنها اجتهاد داخل الصندوق كان من الممكن أن تتطور وتصل الى اجتهاد أكبر وأرحب يتبنى أمهات القيم السياسية في القرآن ويعتبرها المرجعية الكبرى ، مايساعد في تفكيك بعض المنظومات الفكرية المغلقة التي سيطرت على العقل المسلم طيلة قرون وتجعله أكثر تقبلأ للأفكار الديموقراطية المعاصرة ومستفيدا من التجارب الانسانية الحديثة.
- من الناحية العملية كان الشيخ الألباني في طرحه ينتصر للسنة وليس للقرآن وهذا في الحقيقة جوهر المدرسة السلفية ( مدرسة أهل الحديث ) التي كانت وبالرغم من قولها الدائم كتاب وسنة إلا أنها من الناحية العملية تنحي القرآن جانباً بآفاقه الرحبة باعتباره ظني الدلالة قطعي الثبوت يسمح نصه القابل للتأويل بالاجتهاد وفق ماتقتضيه النوازل ، وتختصر النص عملياً بالسنة والتي بالرغم من أنها ظنية الثبوت ولكنها قطعية الدلالة وهنا المشكلة لاتسمح بكثير من الاجتهاد داخل النص ، لذلك ترى أن السلفية يكادون لايحاججونك بالقرآن بل بالسنة وفق تصحيحات أشياخهم وعلى رأسهم الالباني ، واذا ناقشوك بالقرآن فوفق فهم أشياخهم ابن القيم وابن تيمية ، وقد ضيقت المدرسة السلفية بتبنيها هذا واسعاً ، وجعلت المسلم في حرج شديد ولم يعد قادراً أن يكون معاصراً وهو يحمل نصوصاً ظنية الثبوت تعامل باعتبارها الأساس في التشريع وتطلب منه ألا يكون مرناً أبداً مع بقية البشر لابل إن كثيراً من النصوص السياسية تدعو الى الحرب الدائمة بإطلاق .
- إن الشيخ ناصر عندما وجد فعلاً أن النصوص تتناهى والحوادث النازلة لاتتناهى مايعني عجز النصوص بدون اجتهاد عن الايفاء بمتطلبات الفتيا وبما أن ناصر السنة الإمام الشافعي قد ثبت القاعدة الأصولية في كتابه الرسالة ( اذا صح الحديث فهو مذهبي ) فقد سعى الألباني وبجهد كبير الى تصحيح قدر من الأحاديث التي ماكان ينبغي أبدأ أن تصحح وبعضها قال علماء كبار سابقون أن حولها مقال ، وتتعارض مع صريح القرآن الكريم ، ومن أخطرها بعض الأحاديث السياسية التي هي عمدة عند تنظيم داعش اليوم ، ويفاخر السلفية بتصحيح الألباني لها ومنها مثلاً أحاديث ( من بدل دينه فاقتلوه ، ولايجتمع في جزيرة العرب دينان ، أمرت أن أقاتل الناس ، لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ، الخ ) . لابل إن الألباني كان في أشرطته يردد دائماً أن الله قد حفظ السنة كاملة الى يوم القيامة ، وسخر لها محدثين ينفون عنها خبثها ، ولم يفتنا منها شيء ، استناداً الى قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقوله تعالى وماينطق عن الهوى إن هو الا وحي يوحى ، يريد السنة ، وهذا استدلال غير صحيح ذلك أن المقصود بالذكر ، وماينطق عن الهوى هو القرآن حصراً ولايعني السنة أبداً .
- طرح الألباني العدائي وتصحيحه لأحاديث أخذها تلامذته على أنها تشريع ودين ، جعل الكثيرين ممن لاعلم لهم ومن حديثي الاسنان لايقيمون وزناً لعالم من منطلق أنهم رجال ونحن رجال ، ونجم عن ذلك أن كثيراً من تلاميذ تلاميذه يستخفون بكل اجتهاد علمي ويسعون للفهم المباشر من السنة وفق أفهامهم القاصرة بحجة اللامذهبية ماأدى الى فوضى فقهية رأينا آثارها جلية في خوارج العصر وفتاوى مضحكة لايقبلها عاقل ، وتشدد مفرط يستحيل أن يكون الله قد أمر به.
أردت من خلال عرض ماسبق أن أظهر أن كل ما تلا ذلك ، وتجسد في عصرنا الحالي وبالاً بعد اكتمال تشكل ثالوث السلفية الجهادية ( الرسائل النجدية لتلاميذ محمد بن عبدالوهاب ، ولامذهبية الألباني ، وحركية المودودي ) فإن بدايات هذا التشكل كانت بعد حرب ٦٧ وإحدى نتائجه . وأنه ما لم تقم دراسات واعية وكافية لنشوء وتطور الظواهر السياسية والدينية في بلادنا وتنقد أسس التفكير وأصول الفقه التي وضعها الامام الشافعي قديما ، فلن نستطيع تفسير مايجري ولماذا انتصر التيار السلفي المدعوم مالياً ومعنوياً من بلاد الحجاز على خصومه الإسلاميين الحركيين واصحاب الاسلام السياسي من المعتدلين بهذا الشكل الساحق ، ولن نستطيع مواجهة السلفية الجهادية ، ولن نجد حلولاً لمصائبنا التي تسببت بدخول الإسلام والمسلمين مأزقا حضاريا يهدد كل ثورات الربيع العربي لابل يهدد وجودنا كأمة أنعم الله عليها بالدين الخاتم.