الأمم المتحدة، الانتقادات الأوروبية، وإنجازات ترامب المعلنة:
أية تداعيات على غزة وانتخابات إسرائيل؟
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم:
انعقدت الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة في ظل تباين غير مسبوق بين واشنطن وعواصم أوروبية رئيسية حول إسرائيل والمسألة الفلسطينية. ويأتي هذا التباين قبل أسابيع من انتخابات إسرائيلية مفصلية مقررة في 27 أكتوبر 2026، تتقدم فيها أحزاب المعارضة على الليكود في استطلاعات الرأي. ويثير المشهد سؤالين متلازمين: هل يعكس هذا التحول الأوروبي تغيرًا بنيويًا في مقاربة القضية الفلسطينية أم أنه تعبير ظرفي عن ضغط شعبي؟ وكيف ستتفاعل هذه المواقف مع الحملة الانتخابية الإسرائيلية، حيث يسعى نتنياهو إلى تحويل العزلة الدولية إلى ورقة تعبئة لصالحه؟
المعطيات:
شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، المنعقدة في نيويورك بمشاركة نحو 130 من رؤساء الدول والحكومات، تباينا في مواقف الدول الغربية تجاه إسرائيل والمسألة الفلسطينية، قبل الانتخابات الإسرائيلية.
– في 22 سبتمبر 2026، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كلمته أمام الجمعية العامة إن الحرب في غزة انتهت، وإن الرهائن عادوا جميعا، وإن مجلس الأمن أيد خطته ذات النقاط العشرين وأنشأ “مجلس السلام”، مشيرا إلى انضمام قرابة ثلاثين دولة إليه. وقدم ترامب نفسه صانع سلام أنهى نزاعات عدة، دون الخوض في تفاصيل الوضع الإنساني المستمر، وربط في خطابه بين إيران وهجوم السابع من أكتوبر 2023.
– ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطابه، الذي يُعد وداعيا للأمم المتحدة قبل انتهاء ولايته، فقال إن جهود السلام في غزة لم تنجح في فتح أي ممر إنساني، وإن ما يحدث هو “مشهد يخجلنا جميعًا”، متسائلًا: “أين مصداقيتنا إذا بقينا مكتوفي الأيدي أمام غزة؟”. وانتقد ماكرون تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، قائلًا إنه يسلب الشعب الفلسطيني حقه المشروع في الوجود، وحذر من أن هذه الانتهاكات تهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وجدد التأكيد على أن حل الدولتين هو “ضمانة الأمن اليوم وغدا لإسرائيل”.
– وأكد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في كلمته أن بلاده “ستبذل كل ما في وسعها للحفاظ على إمكانية إقامة دولة فلسطينية والعمل على تحقيق حل الدولتين”، مشيرا إلى استمرار تفاقم المعاناة في قطاع غزة وأن المساعدات التي تصل إليه أقل بكثير من الاحتياجات. وأدان هجوم 7 أكتوبر 2023 بشدة، لكنه شدد على أنه لا يبرر إجراءات الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة. وأعلن أن لندن حظرت التجارة مع المستوطنات غير القانونية، واعتبرت الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وفرضت عقوبات على المشاركين في البناء الاستيطاني. وحذر من أن مشروع E1 لا يمكن السماح بحدوثه لأنه يقطع الضفة ويضع الدولة الفلسطينية خارج المتناول. ويشمل المشروع بناء أكثر من 3,401 وحدة استيطانية في المنطقة الواقعة شرق القدس.
– وفي 23 سبتمبر، وصف مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطاب الرئيس الفرنسي بأنه “سخافة فظة ومذهلة”، مؤكدًا أن حماس تنفذ هجمات في الضفة الغربية يوميا. ونشر المكتب فيديو مولدا بالذكاء الاصطناعي يصور ببغاوات على منبر الأمم المتحدة تردد عبارة “لوموا إسرائيل”، معلقا بأنها ببغاوات هذا العام. ونقل الإعلام الدولي مشهد انسحاب عشرات الوفود قبيل كلمة نتنياهو، فيما أفادت حصيلة إسرائيلية بغياب أو انسحاب 77 وفدًا.
– وعلى صعيد الإجراءات الأوروبية الملموسة، انتقلت دول غربية وكندا في 2026 إلى خطوات تتجاوز الاعتراف الرمزي بفلسطين. فقد أعلنت 12 دولة أوروبية وكندا في 8 سبتمبر 2026 فرض قيود تجارية على بضائع المستوطنات الإسرائيلية، باعتبارها غير قانونية بموجب القانون الدولي. وفي 23 سبتمبر، تعهد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بتقديم 100 مليون دولار كندي مساعدات جديدة للفلسطينيين، تشمل 80 مليون دولار مساعدات إنسانية و20 مليون دولار لمشاريع أمنية وتنموية. وقد أدرج الاتحاد الأوروبي عقوبات على مستوطنين إسرائيليين، شملت تجميد أصول وحظر سفر.
– وفي المقابل، أظهرت بيانات وزارة الاقتصاد الألمانية أن ألمانيا وافقت على صادرات معدات عسكرية إلى إسرائيل بقيمة تقارب 930 مليون دولار خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، فيما بقيت ألمانيا وإيطاليا الأبطأ في الانتقال إلى إجراءات عقابية واسعة، متمسكتين بـالمسؤولية التاريخية تجاه إسرائيل ودعم حل الدولتين دون اعتراف فوري أو عقوبات شاملة.
التحليل:
– تعكس خطابات قادة الدول الغربية في الدورة الحالية للأمم المتحدة تحولا نوعيا في الموقف من إسرائيل. فبعد موجة الاعترافات بدولة فلسطين عام 2025 من فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا ودول أخرى، انتقلت دول أوروبية وكندا في 2026 إلى إجراءات ملموسة تشمل حظر سلع المستوطنات، وفرض عقوبات على المستوطنين، والدفع بتمويل إنساني إضافي، مع الإصرار على حل الدولتين واستبعاد حماس. وقد قادت فرنسا وبريطانيا هذا المسار، تحت ضغط شعبي متصاعد والكارثة الإنسانية في غزة وتوسع الاستيطاني الذي يهدد قابلية قيام الدولة الفلسطينية.
– ويعكس ابتعاد إدارة ترامب عن هذا التحول الأوروبي مسارًا موازيا للسياسة الأميركية، لا يتقاطع مع التحولات الأوروبية. فقد قدم ترامب خطته للسلام باعتبارها إنجازا دبلوماسيا، دون الخوض في تفاصيل الوضع الإنساني، بينما انتقد الأوروبيون الواقع الميداني وعدم كفاية وصول المساعدات. وعدم انضمام واشنطن إلى موجة الاعترافات أو حظر سلع المستوطنات يُفسر بأنه يهدف إلى الحفاظ على العلاقة الخاصة مع إسرائيل والحد من عزلها الكامل، لكنه يعمق الانقسام عبر الأطلسي ويفتح مجالا لأوروبا لاتخاذ خطوات مستقلة.
– أما على مستوى التداعيات على غزة، فإن هذه التحولات قد تزيد الضغوط على مستقبل القطاع، بربط أي إعادة إعمار أو حكم مستقبلي بوصول إنساني حقيقي ونزع سلاح حماس ودور السلطة الفلسطينية. كما أن الإجراءات الأوروبية التي تستهدف مشروع E1 والتوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين في الضفة الغربية ترفع التكلفة الاقتصادية والدبلوماسية للسياسات الإسرائيلية إذا توسعت.
– وفيما يتعلق بالانتخابات الإسرائيلية، يرى مراقبون أن التحولات الغربية وانتقاداتها لإسرائيل قد تعزز داخليا شعور “المظلومية” لدى القاعدة اليمينية، وهو ما يستخدمه نتنياهو لتعبئة الناخبين ضد ما يصفه بـ”النفاق الدولي”. وفي المقابل، تقلق قطاعات وسطية ومعارضة من تآكل المكانة الدولية والعلاقات مع أوروبا، ما قد يدفع أصواتا نحو أحزاب مثل “يشار” بقيادة غادي أيزنكوت، التي تطرح نفسها بديلًا سياسيًا لنتنياهو.
– وتخلص التقديرات إلى أنه في ظل الاستطلاعات التي تظهر تفوق “يشار” على “الليكود”، فإن الانتقادات الغربية تبرز عزلة قد تُحسب سياسيا على نتنياهو أو تُستخدم في تعبئة قاعدته، لكنها لن تكون عاملًا حاسما في الانتخابات وحدها.
خلاصة:
– تتمثل المعطيات في نصوص خطابات ترامب وماكرون وبيرنهام، ورد مكتب نتنياهو، وحصيلة الوفود المنسحبة، والإجراءات الأوروبية والكندية المعلنة، وبيانات صادرات الأسلحة الألمانية، وأرقام استطلاعات الرأي الإسرائيلية.
– تفسير أسباب التحول الأوروبي، وقراءة تداعياته على غزة، وتأثيره في التعبئة الانتخابية الإسرائيلية، والحديث عن “مسار مواز” أميركي، فهو تحليل سياسي وليس معطى خاما.