الأزهر: محاولات اصلاح وتجديد متعثرة

أصدر الأزهر الشريف، الذي يعتبر المرجعية الأساسية للمسلمين السنة في العالم بيانا يدين فيه وقائع التحرش المتكررة، والتي وصلت إلي حد غير مسبوق في مصر. استخدم الأزهر لأول مرة مفردات حقوقية غير معتاد عليها، وأدان التحرش بشكل قاطع  والتبريرات التي يرددها بعض المشايخ والمواطنين، وأعلن رفضه القاطع للربط بين ملابس المرأة وبين التحرش. وقد اعتبر هذا الخطاب تطورا نوعيًا في تعامله مع قضايا النساء والقضايا الحقوقية بشكل عام، خاصة في ظل الانتقادات الموجه له باعتباره المسئول عن تدهور مستوى الخطاب الديني، ومساهمته في انتاج متطرفيين وإرهابيين.

وفي ظل دعوات بعض مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الرئيس عبدالفتاح السيسي والبرلمان، ومنظمات المجتمع المدني لتجديد الخطاب الديني، ظهر العديد من التساؤلات حول الجهة التي ستقوم بعملية التجديد ومعنى التجديد ذاته. ففي حين تعول السلطة السياسية على الأزهر ليقوم بهذا الدور ويكون التجديد من داخل الأزهر الشريف، وذلك في محاولة لإحلاله محل جماعة الاخوان المسلمين والجماعات الإسلامية التى سيطرت على المساحة الدينية منذ أوائل السبعينات، يطالب المجتمع المدني أن يكون تجديد الخطاب من خارج الأزهر باعتبار أن أزمة الخطاب الديني سببها المؤسسة الدينية التقليدية المتمثلة بالأزهر.

لهذا الغرض، يناقش البرلمان المصري قانونا لتقنين الأفتاء ليصبح مقصورًا على هيئات محددة داخل الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء، وعلى أشخاص محددين وليس متاحًا لأي داعية أو خطيب للإفتاء بلا  ترخيص رسمي بذلك، ولكن هل هذه الخطوة تفيد مشروع تجديد الخطاب الديني؟ لا يمكننا تحديد ذلك بوضوح دون دراسة وتحليل الوضع القائم في المؤسسات الدينية الرسمية، والعوامل التي تؤثر على تجديد الخطاب.

  • إرث ثقيل من التشدد وبنية فكرية مأزومة:

لم يكن الأزهر، كمؤسسة نظامية، منذ قرون حامل شعلة التنوير أو تجديد الخطاب الديني، بل ظل الأزهر مؤسسة تقليدية، ولم يكن فاعلاً إيجابيًا في التعامل مع أغلب منتجات الحداثة التي وصلت إلى مصر، بدءً من تحريم شرب القهوة واستخدام آلة الطباعة، مرورا بتحريمه خروج المرأة للعمل والتعليم، وتذبذب رأيه في إلغاء العبودية، وصولاً لقضايا أكثر تقدمية في قضايا الخلع والقوامة وختان الإناث والمثليين والتحرش الجنسي، وفي كل مرة لم يبادر الأزهر للتعامل مع مستجدات الواقع، بل يدفعه الحراك المجتمعي قسرًا للتعامل مع الموقف وتجديد خطابه للتوافق مع مسار التاريخ، وفي بعض الأحيان يدفعه المتغير السياسي لتفصيل خطاب ديني يلائم السلطة وطلباتها.

تكمن المشكلة في أمرين، أولهما: البنية المؤسسية المأزومة ذاتها، فقد تم تجريف الأزهر كغيره من المؤسسات لأسباب سياسية بحتة على مدار العقود الماضية، حتى أصبح التعليم الأزهري فقير وهش، لا يشجع على التفكير النقدي والأبداعي أو على النقد الذاتي، الأمر مشابه لفشل المنظومة التعليمية كلها، ولكن الأمر لا يكون هينًا عندما يترتبط بالدين، فالسمة الأساسية للأزهر إنه لا يقوم ببناء كوادر مثقفة ونقدية بل بانتاج التابعين والمقلدين ، وهذا ما يحكم سلوك المؤسسة وترددها  إذا ما حدثت أى تغييرات في لغة الخطاب، لأنه سيتسبب في أسئلة لم ستعد للإجابة عليها واستيعابها .

ثانيهما، هناك اعتقاد عام لدى أغلب الأزهريين، والمؤسسات الدينية التقليدية، بأن هناك نسخة واحدة فقط من الدين، و المشكلة تبدأ عندما يقرر البعض مصادرة رأي الآخرين، الذين يؤمنون بتفسيرات أو اجتهادات مختلفة. ويزداد الأمر سوءاً عندما تتخذ السلطة السياسية هذا الدين كمعتقد رسمي للدولة، ويتم استخدام الدين كأداة في ادارة شئون الحكم، والتمييز بين المواطنين على أساسه وفقًا لما تراه الدولة صحيحاً من وجه نظرها، هذا النمط من التدين كان سائداً في أوروبا أثناء فترة ” العصور الوسطي” والتي انتهت بقيام الحروب الدينية. وهذا ما حدث في دول أخرى حين تعاملت مع الدين كأداة سياسية ، كالعراق ولبنان وغيرهم.

منذ أوائل السبعينات، بدأ الأمر يتخذ منحنى رديكالياً واضحاً وتحول إلى ردة اجتماعية واضحة مع بدء الحديث عن زمن الصحوة الإسلامية، وتوغل الإسلام السياسي في المجال العام، ورضوخ نظام السادات له ومحاولة تدجينه في ظل نظام مبارك. وبدأت تظهر الفتاوى المتشددة، فقد اقترح الأزهر عام 1978، أن ينص الدستور وجوباً على مادة تفرض على المرأة الزي الشرعي وتحرم التبرج، وظل يدور بعض الأزهريين  في فلك المساواة بين جرم الأغتصاب وبين ممارسة الجنس الرضائي، باعتبار أن الفعليين متساووين كزناة، وربط ملابس النساء بالتحرش.

ومع ظهور انتقادات واسعة ومراجعات نقدية للخطاب الديني وللتراث الديني ككل، وعلى رأسهم فرج فودة ونصر حامد ابو زيد، قرر الشيوخ مواجهة هذه الانتقادات بالعنف والتحريض بدلاً من إعادة التفكير، فقد أفتى الشيخ محمد الغزالي بجواز قتل فرج فودة وشهد أمام المحكمة أنه لا يجوز إعدام القاتل، لأنه يسمح أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عندما تقوم الدولة بتعطيلها، وقد قتل فرج فودة بعد أسبوع واحد من مناظرة كبرى تمت بينه وبين الشيخ الغزالي. وكذلك رفع الأزهر دعوى تطليق نصر حامد ابو زيد من زوجته باعتباره كافراً ومرتداً عن الإسلام ولا يجوز أن يتزوج بمسلمة وبالفعل حكمت المحكمة بذلك.

  • الخوف من التغيير والاعتماد على رد الفعل:

لوحظ في الأعوام الماضية أن ديناميكيات العمل داخل مؤسسة الأزهر لا تنبيء بالتحرك في أي اتجاه أو مبادرة، بل يدفعه الحراك المجتمعي والسياق الخارجي للتعامل مع الأمر، قد يكون بسبب ضعف استقلاليته من جهة، وسياسة الاختراق التي أتبعتها جماعة الإخوان المسلمين للسيطرة على الأزهر من جهة أخرى. وعلى نفس المنوال، لم يظهر بيان أدانة الأزهر للتحرش بشكل قاطع من فراغ، بل كان نتيجة سياسة اتبعتها منظمات المجتمع المدني في الاشتباك مع الأزهر، بدلاً من مقاطعته. وكانت أول محاولة في عام 2003، عندما قامت مجموعة من النشطاء والمؤسسات بتفعيل منصة حوارية للمرة الأولى مع الأزهريين، وكان الحديث حول إعادة قراءة النص الديني، ولكن نظرًا للمفاجاة التي واجهها شيوخ الأزهر، اتهموا هذه المؤسسات بإنها ضد الإسلام والشريعة، وتوقفت المناقشات بدون نتيجة إيجابية ولكن هذا الحراك أدى الى فتح باب الأسئلة في وجه الشيوخ التي يواجهونها لأول مرة.

في عام 2006، جددت الجمعيات النسوية  الاشتباك مع الأزهر في الحديث حول الزواج العرفي أو التعامل مع التطورات  العلمية الحديثة المتعلقة ب(DNA)؟ خاصة في موضوعات إثبات النسب وإشكالية وجود العدة في ظل إمكانية معرفة وجود حمل من عدمه بواسطة التحاليل الطبية قبل ثلاث شهور من انتهاء العدة، ، ولكن ذهب النقاش بعيداً عن القضية الأساسية وتمت مهاجمة النساء لعدم إرتدائهن للحجاب واتهامهن بالعمالة للخارج.

وبعد احتجاجات 2011، لم ينل الأزهر، كأغلب المؤسسات، نفس مستوى ودرجة الاحترام والتقديس الذي كان يحظى به قبل الثورة، فقد فرضت  الحالة الثورية نفسها على المشهد الإجتماعي كمتغير اساسي، وأصبح من المعتاد أن يلقى الأزهر ضربات وانتقادات من كافة الاتجاهات سواء كانت الليبرالية والعلمانية أو الجماعات الإسلامية، وكان الأزهر يسعى لأن يكون له دور في هذه المرحلة الإنتقالية ليعيد مكانته مرة أخرى. في ذلك الوقت كانت المنظمات قطعت شوطًا في كسر احتكار المعرفة الذي كان يخيم على النقاشات مع الأزهريين، ووجدت في الأزهر الفرصة للتعاون معه لمواجهة الردة الإجتماعية والسياسية التي كان يقودها مجلس النواب الذي تسيطر عليه الجماعات الإسلامية، لتغيير قوانين الأحوال الشخصية لتصبح أكثر رجعية، وبالفعل أسفر النقاش عن إصدار ما يسمى ب “وثيقة حقوق المرأة” في عام 2013، مثلت هذه الوثيقة لحظة تقدمية في تاريخ الأزهر نظرًا لأن الأحداث السياسية والاجتماعية كانت أكبر من احتمال الخطاب التقليدي للأزهر.

فعلى سبيل المثال، تم تعريف القوامة بتحديد معناها في أنها مجرد مسئولية مالية ارتبطت بسياق نزول الوحي،  وحال المرأة المستضعف وقتها، ولا يترتب عليه دلالة معنوية تحمل التفوق اﻷخلاقي، كما أن الوثيقة تطرقت للسلامة الجسدية للمرأة وتحريم اﻹعتداء عليها في المجالين الخاص والعام. ولكن المؤسسة استغلت احتجاجات 30 يونيو 2013، والأحداث السياسية التي تلتها، ولم تصدر الوثيقة رسميًا. ربما اعتقدت المؤسسة أن فترة التحولات الاجتماعية انتهت وأنها ليست بحاجة لإتخاذ مواقف تقدمية، بجانب وجود تخوفات من وجود أسم الأزهر على أى وثيقة تقدمية تخص المرأة، رغم أنها لم تلبي طموحات المنظمات النسوية المشاركة، ولكنها مثلت ذروة المواقف التي اتخذها الأزهر في هذا الصدد . هذه التخوفات التي جعلت بعض الأزهريين يترددون في أظهار حقيقة ما توصل إليه الأزهر لمدة خمس سنوات، ولكن الأن عاد الحديث مرة أخرى عن هذه الوثيقة بعد تردد وتخوف استمر لخمس سنوات.

  • تجديد الخطاب الديني واشكالية التعبير:

غالباً ما يتم الترويج لمقولة تجديد الخطاب الديني متصلة  بمواجهة الفكر التكفيري الإرهابي الذي يقود إلى قيام مشروع إسلامي سلطوي فقط، وبالتالي دائما ما يتم الحديث عن أن التجديد يقتصر على الفروع فقط وليس الأصول، وكأن موضوع تجديد الخطاب الديني من السهولة واليسر لغة ومضموناً. ولكن هل هذا ما يعنيه تجديد الخطاب الديني فعلًا؟. فالمتداول اليوم هو فكرة محددة بوجود تفسير احادي للإسلام  يحتكره الأزهر ومؤسسات الدولة الدينية، وبالتالي ضمان استمرار الوضع القائم، والذى يتضمن تسلطاً ضد بعض الأقليات الدينية، والتوجهات الفكرية، في ذات  الوقت الذي تحرض فيه المؤسسات الدينية الرسمية ضد الملحدين واللادينين،  باعتباره خروجًا عن المنهج الاحادي وعن التقاليد والأداب العامة، وفي تصورها أن هذا يندرج فيما يعرف بالأصول التي لا يمكن تغييرها، ولكن هل هذا يختلف عن فكر الجماعات الإسلامية التكفيرية التي تقاتلها الدولة؟

في الحقيقة أن التنظيمات “الجهادية” لا تنتظر أن تأخذ تراخيص لكى تصدر فتاو بالقتل أو بالنبذ أو الاقصاء، لأنها في الأساس تعادي الدولة ومؤسساتها، وبالتالي مشروع تقنين الفتوى مثلا، لا معنى له في هذه الحالة، لأنه في الغالب لن يدعم سوى الأحتكار الرسمي للدين  من جانب الدولة. والحقيقة أن غياب وجود بديل واضح يختلف عن خطاب الجماعات المتطرفة، يسير فى اتجاه يدعم قيم التعددية والمواطنة الكاملة وقبول الأخر، ويدعم حقوق المرأة والاقليات، فهو ليس تجديداً للخطاب وإنما استمراراً لذات القيم ولكن بأشكال مختلفة. وفي نفس الوقت الذي يرى فيه الأزهر أنه الأحق بالتجديد، يتم ايقاف الدكتور يسري جعفر، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين، عن العمل من قبل جامعة اﻷزهر بعد اتهامه “بالإلحاد ومحاولة إحياء فكر محمد عبده وطه حسين، والعداء للتيار الإسلامي”.

  • صراع الأزهر والأوقاف

في ضوء كل ما سبق، من وجود تصور بوجود تفسير أحادي  للدين، وأن الأزهر هو المؤسسة الوحيدة القادرة على حماية الدين والمجتمع من التطرف، وأن بنية الأزهر المأزومة لن تتقبل كثيراً خطاباً اخر من خارجه، فليس غريبا أن نسمع عن صراع بين مؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف حول أحقية أى منهما باحتكار الافتاء والخطاب الديني للدولة، وقد ظهر هذا الصراع عندما رفض الأزهر قرار وزارة الأوقاف تفعيل قرار خطبة الجمعة الموحدة، ورفض شيخ الأزهر دعوة الرئيس السيسي لإيقاف الطلاق الشفهي، وانتهى برفض الأزهر أن تكون  إدارة الفتوى بوزارة الأوقاف ضمن المتخصصين في إصدار الفتاوى، على الرغم من أن كل مشاريخ هذه الإدارة أزهريون.

كما أن اعتبار أن الأزهر مؤسسة موحدة غير دقيق، فبعد وقت قليل من بيان مشيخة الأزهر بإدانة التحرش بشكل قاطع، صدر تقرير منصة حوارية للأزهريين عن التحرش من المركز العالمي للرصد والفتوى اﻹلكترونية، التابع للأزهر، بإدانة التحرش ولكن التقرير ألقى باللوم على مَن وصفهن بـ “المتبرّجات” وأشار إلى الاختلاط بين الجنسين والتبرج من اﻷسباب الرئيسية للتحرش. وبالرغم من أن المركز العالمى قد قام بسحب التقرير واعتذر عنه إلا أنه يعبر عن رأى الأغلبية داخل مؤسسة الأزهر.

الخلاصة:

ساهم الخطاب الديني السائد في تحول التحرش الجنسي من ظاهرة فردية إلى ظاهرة اجتماعية خطرة تهدد أمن واستقرار المجتمع بأسره، كما ساهم في أهدار حقوق العديد من المواطنين وفاقم من الأزمات الإجتماعية ووفر أرضية خصبة للإرهاب والعنف. ومجمل أمر تجديد الخطاب الديني، الذي يدعو إليه الكثيرون حتى الأن لا يجدي نفعًا، لأن المصطلح ملتبس وغامض في مراميه، ولا يقتصر هذا الالتباس فقط على مؤسسة الأزهر، ولكن أيضا في خطاب القيادة السياسية نفسها التي تروج للتجديد. وعلى الرغم من تعدد الخطابات الدينية، من سلفية وإخوانية وأزهرية، إلا أن جميعها يشترك في أنها لم تسلك مسارًا حداثياً يتلاءم مع تغييرات الواقع .

خلاصة القول ان الخطاب الديني لم يساهم في إغناء وتطوير القيم المجتمعية الخاصة بحماية حقوق الأفراد والمجتمع ، وان توقع ان تقوم مؤسسة تقليدية كلاسيكية بهذا الدور، هو بمثابة دوران في حلقة مفرغة، والأهم في إطار محاولات تجديد الخطاب والتي تستغرق وقتًا طويلاً، أن يتم تبني سياسات واضحة لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض ومكافحة التمييز وحماية حرية المعتقد وحرية الفكر والتعبير التي ستقوم بدورها التنويري والتجديدي بما يلائم سمات العصر ، وهذا لن يتم في ظل الرغبة في استخدام تجديد الخطاب كأحد أدوات اللعبة  السياسية،. فالتجربة التاريخية تقدم درسا عميقا يقوم على أن الحركات الإجتماعية والثقافية هى من يتولى هذه المهمة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.