استهداف القيادة وإعادة التموضع الدولي: سورية تحت اختبار تثبيت الاستقرار
مصطفى المقداد، مركز تقدم للسياسات – دمشق
تقدير موقف:
تقديم: يتزامن التداول الإعلامي عن محاولات استهداف القيادة السورية مع تطورات ميدانية وسياسية ذات دلالات استراتيجية، أبرزها انتقال مسؤولية قاعدة التنف إلى الجيش السوري ومشاركة دمشق في اجتماعات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش. يعكس هذا التزامن لحظة انتقالية تتقاطع فيها التهديدات الأمنية غير المتماثلة مع مؤشرات انفتاح دولي وتعاون عسكري متزايد، بما يشير إلى تحوّل تدريجي في موقع سورية من دولة خاضعة للاحتواء الأمني إلى شريك في إدارة الاستقرار الإقليمي. غير أن هذا التحول يبقى هشاً، ويتوقف نجاحه على قدرة الدولة على إدارة التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية المتداخلة.
التحليل:
– استهداف القيادة:
لا يمكن قراءة محاولات استهداف القيادة السورية ضمن إطار تهديد أمني عام ومجرد، إذ تشير طبيعة الأهداف المختارة ومستوى التخطيط العملياتي إلى وجود دوافع سياسية وعقائدية مركّبة تتجاوز النشاط الإرهابي التقليدي. وفي التقدير، يمكن تحديد ثلاث دوائر فاعلة محتملة، غير متعارضة بالضرورة، في تفسير مصدر التهديد.
1. خلايا تنظيم داعش أو الشبكات المرتبطة به، التي ما تزال ترى في استهداف رأس السلطة وسيلة لإثبات الاستمرارية العملياتية وتقويض سردية استعادة الدولة السيطرة. هذا الاحتمال تدعمه أنماط الاستهداف المرتبطة بالرمزية السياسية، إضافة إلى استمرار قدرة التنظيم على العمل عبر خلايا مرنة في مناطق التماس.
2. تيارات جهادية عابرة للتنظيمات في طور إعادة التشكل، تتبنى سرديات عقائدية تعتبر بلاد الشام ساحة رباط وصراع مفتوح، وترى في التحولات السياسية التي قادتها القيادة الجديدة انزياحاً عن منطق “التحكيم الشرعي” لصالح مقاربة دولاتية براغماتية. في هذا السياق، يصبح استهداف القيادة جزءاً من صراع شرعيات لا مجرد عمل أمني.
3. احتمالية وجود عناصر متشددة من داخل البيئة الحليفة سابقاً أو المرتبطة بالجماعات الإسلامية التي لا تتوافق مع النهج السياسي الجديد، وتحديداً ما يُنظر إليه كابتعاد عن مشروع الدولة العقائدية- دولة الشريعة – باتجاه نموذج الدولة الوطنية. هذا النوع من التهديد – إن ثبت – يكون أكثر تعقيداً لأنه ينبع من داخل المجال السياسي الاجتماعي وليس من خارجه فقط.
التقدير الأكثر واقعية لا يقوم على ترجيح مصدر واحد للتهديد، بل على التعامل معه بوصفه ظاهرة متعددة المصادر، تتداخل فيها دوافع تنظيمية وعقائدية وسياسية. وهذا يستدعي مقاربة أمنية واستخباراتية تتجاوز الاستجابة العملياتية إلى معالجة البيئة الحاضنة والخطابات المنافسة على الشرعية، باعتبارها جزءاً من معركة تثبيت الاستقرار.
– أبعاد الانسحاب الأمريكي من قاعدة التنف:
يشكل تسليم قاعدة التنف تحولاً عسكرياً وسياسياً وإقليمياً. فعسكرياً، ينقل مسؤولية مكافحة الإرهاب في البادية إلى الجيش السوري ويقلص الوجود الأمريكي المباشر دون إنهاء الشراكة. وسياسياً، يمثل اعترافاً ضمنياً بقدرة المؤسسة العسكرية السورية على إدارة الملف، وإشارة إيجابية للمجتمع الدولي بشأن استقرارها. وإقليمياً، يعزز ضبط الحدود مع الأردن والعراق ويكرّس دور المنصات العربية في إعادة دمج سورية.
ولا يمكن فهم هذا التطور دون قراءة معمقة للأسباب الجوهرية لإعادة التموضع الأمريكي. فالقرار يعكس:
1. تحوّل القاعدة من رافعة ضغط استراتيجية إلى عبء عملياتي نسبي في ظل تغير البيئة الميدانية وكلفة الحماية.
2. انتقال العقيدة الأمريكية في مكافحة الإرهاب نحو نموذج الإسناد والضربات عن بعد بدلاً من الانتشار الأرضي.
3. مقاربة براغماتية ترى في تمكين سلطة مركزية قادرة على الضبط الحدودي خياراً أقل كلفة من إدارة جيب عسكري منفصل.
4. يرتبط القرار بإعادة ترتيب الأولويات الخارجية الامريكية وضغط الموارد، وبنهج تحويل عبء الأمن الإقليمي إلى الشركاء المحليين. ويتسق ذلك مع التوجهات العامة لوثائق الأمن القومي والدفاع الأمريكية التي تؤكد تقليص الانخراط المباشر في الشرق الأوسط وتفضيل الشراكات والانتشار المرن، ما يجعل تسليم التنف تطبيقاً عملياً لخفض البصمة العسكرية وليس انسحاباً كاملاً من الإقليم.
تحمل هذه التطورات رسائل غير مباشرة لإسرائيل، مفادها استعادة مركزية الدولة في الجنوب وتقليص ذرائع التدخل، بالتوازي مع إعادة تعريف معادلة الردع عبر بناء قدرات مؤسساتية ضمن إطار تنسيق دولي. ومن المرجح استمرار سياسة إسرائيلية تقوم على المراقبة الحذرة وعمليات محدودة دون مواجهة مفتوحة.
داخلياً، تعزز النجاحات الأمنية شرعية الدولة وتوحد المزاج العام حول أولوية الاستقرار، لكنها ترفع سقف التوقعات الشعبية بتحسن اقتصادي سريع. ويظل العامل الاقتصادي الأكثر حساسية في معادلة الاستقرار، إذ إن استمرار العقوبات وضعف الاستثمار وهشاشة البنية الإنتاجية قد يحدّ من تحويل المكاسب الأمنية إلى استقرار مستدام، بل قد يخلق ضغوطاً اجتماعية قابلة للاستغلال.
التقديرات:
– تشير المعطيات الراهنة إلى أن المسار الأكثر ترجيحاً يتمثل في اتجاه تدريجي نحو تثبيت الاستقرار، مدفوعاً باستمرار قدرة الأجهزة الأمنية على إحباط التهديدات، وتنامي مستويات التعاون الدولي في ملفات مكافحة الإرهاب، إلى جانب تحسن اقتصادي محدود قد يسمح بترسيخ موقع سورية كشريك أمني إقليمي معترف به. غير أن هذا المسار لا يلغي احتمال تعرض البيئة الداخلية لهزات ظرفية؛ إذ إن وقوع اختراق أمني نوعي أو تفاقم الضغوط الاقتصادية نتيجة استمرار العقوبات أو تعثر الانفراج المالي قد يؤدي إلى توتر داخلي وتباطؤ في وتيرة الانفتاح الدولي، دون أن يصل ذلك بالضرورة إلى مستوى تقويض الاستقرار العام.
– ترجّح التقديرات أيضا بقاء احتمال الضغوط غير المباشرة قائماً، سواء عبر اعتراضات إقليمية على تنامي الدور السوري أو عبر تصعيد محدود في الجنوب، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تعثر اقتصادي، ما قد يعيد إنتاج بيئة ضغط متعددة الأبعاد على دمشق دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
– على المستوى القطاعي، يتوقع استمرار التهديد الأمني المرتبط بنشاط التنظيمات المتطرفة واستغلالها للفجوات في مناطق التماس، مع احتمال تنفيذ عمليات محدودة ذات أثر رمزي أو إعلامي.
– سياسياً وإقليمياً، يرجح استمرار حالة الحذر من بعض الأطراف تجاه إعادة التموضع السوري، بما قد ينعكس في ضغوط دبلوماسية أو تحركات عسكرية محدودة النطاق، إضافة إلى بطء محتمل في مسارات الانفتاح الدولي.
– اقتصادياً، وهو العامل الأكثر حسماً، فتشير التقديرات إلى أن استمرار العقوبات وضعف تدفقات الاستثمار وارتفاع الضغوط المعيشية واتساع فجوة التوقعات الشعبية مقابل القدرة الاقتصادية للدولة، إلى جانب هشاشة البنية الإنتاجية، ستظل عناصر ضغط رئيسية قد تحدد في النهاية قدرة الدولة على تحويل المكاسب الأمنية والسياسية إلى استقرار طويل الأمد.
الخلاصات:
**تشير التطورات إلى أن سورية دخلت مرحلة إعادة تموضع استراتيجية تعزز موقعها الأمني والإقليمي، لكنها في الوقت ذاته تواجه اختبار القدرة على تحويل هذه المكاسب إلى استقرار شامل ومستدام.
**يظل العامل الاقتصادي المحدد الأكثر تأثيراً في نجاح هذا التحول، إذ إن أي تعثر معيشي قد يقوض الإنجازات الأمنية والدبلوماسية.
**التحدي المركزي يتمثل في تثبيت الاستقرار الداخلي وتوظيف الانخراط الدولي لتخفيف الضغوط الاقتصادية، بما يضمن الانتقال من موقع الدفاع عن الشرعية موقع إنتاج الاستقرار طويل الأمد.