استدارة المواقف الأميركية: نحو الربط بين الساحات سعياً لوقف الحرب إقليمياً

أمير مخول، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقدير موقف:

تقديم: تشهد المقاربة الأميركية للصراع الإقليمي تحوّلاً ملحوظاً، يتمثل في الانتقال من سياسة فصل الساحات إلى محاولة ربطها ضمن إطار تفاوضي واحد، بهدف احتواء الحرب ومنع تمددها إقليمياً. ويأتي هذا التحول في سياق تعقيدات ميدانية متزايدة، خصوصاً في لبنان وقطاع غزة، بالتوازي مع مسار التفاوض مع إيران، ما يفرض إعادة صياغة أدوات إدارة الصراع. في هذا الإطار، تبدو واشنطن أقرب إلى تبنّي مقاربة شاملة تدمج الملفات، مدفوعة بضغوط ميدانية وسياسية متقاطعة، وبسعي لتفادي انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

التحليل:
وفقاً لمصادر عسكرية مطّلعة، يقوم الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان بتطبيق نموذج عملياتي مشابه لذلك الذي اعتمده في قطاع غزة، ولا سيما في عملية “عربات جدعون 2”، حيث يجري تنفيذ عمليات هدم منهجية للبلدات والمباني استناداً إلى لوائح معدّة مسبقاً ضمن بنك أهداف. وتشير هذه المصادر إلى أن قياس “النجاح” الميداني بات يُختزل في عدد المباني التي يتم تدميرها يومياً، دون وضوح استراتيجي كافٍ للغايات النهائية لهذه العمليات.

في هذا السياق، يحذّر عدد من القادة الميدانيين الإسرائيليين من مخاطر الانزلاق نحو إعادة إنتاج نموذج السيطرة الأمنية الذي كان قائماً في جنوب لبنان حتى عام 2000، قبل الانسحاب الأحادي نتيجة ارتفاع الكلفة. ويعزز هذه المخاوف قيام الجيش الإسرائيلي بإنشاء نحو خمسة عشر موقعاً عسكرياً محصّناً ببنية تحتية متطورة، لا تبدو ذات طابع مؤقت، بل توحي بتموضع طويل الأمد. كما تشير تقديرات عسكرية إلى أن احتمالات استهداف هذه القوات ستزداد مع مرور الوقت، بما يعكس هشاشة الاستقرار الميداني. وفي المقابل، يتناقض هذا الواقع مع الخطاب السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول “الانتصار”، والذي يبدو أقرب إلى الاستهلاك الداخلي منه إلى توصيف دقيق للوضع الميداني.

في القراءة السياسية، تفيد تقارير إعلامية إسرائيلية، لا سيما القناة 12، بأن قرار وقف إطلاق النار المحتمل في لبنان لا يعود إلى الكابنيت بقدر ما يرتبط بإدارة دونالد ترامب، ما يعكس أولويّة القرار الأمريكي على القرار الإسرائيلي. وتذهب بعض التحليلات إلى اعتبار أي وقف لإطلاق النار في لبنان مكسباً لإيران، في حين يتزايد الضغط الشعبي داخل إسرائيل على الحكومة بسبب إدارة الحرب.

في موازاة ذلك، ينشغل الاعلام الإسرائيلي بزيارة وزير الخارجية المصري الى واشنطن لسلسة اجتماعات بنظيره الأمريكي، ويجري التعامل مع مصر بأنها تلعب الدور الأكبر في الوساطة حتى وإن كانت باكستان هي البلد الذي يستضيف المفاوضات بين ايران والولايات المتحدة. الا ان الغرض من الزيارة لا ينحصر في المفاوضات المذكورة بحسب المصادر الاسرائيلية، بل في مسألتين تعيدان الصدارة الى قضية فلسطين وهما: ملف غزة والتقدم في مراحل انهاء الحرب ووقف الانتهاكات الإسرائيلية وإتاحة المجال لممارسة حكومة التكنوقراط لدورها. بالإضافة الى ذلك يطرح وزير الخارجية المصري ملف الضفة الغربية والتطهير العرقي الجاري ومحاولة فرض واقع ضم إسرائيلي احلالي. يضاف الى ذلك الاعتداءات على القدس وعلى حرمة الأماكن المقدسة فيها. حيث تطالب مصر بموقف امريكي صارم يبقي الواقع متاحا لحل الدولتين بالاستناد الى الشرعية الدولية وخطة ترامب ومخرجات اجتماع شرم الشيخ لوقف الحرب على غزة.

على مستوى المفاوضات، تشير التقديرات إلى أن محادثات إسلام آباد مرشحة للاستئناف خلال الأسبوع المقبل، مع تسجيل تقدم نسبي في الملف النووي الإيراني مقابل بحث رفع العقوبات الأميركية وتحرير الأصول المجمدة، التي تعدّ جزءاً من تعويضات الحرب.
في المقابل، يبقى مشهد وقف إطلاق النار في لبنان غامضاً، حتى في حال فرضه أميركياً بشكل مؤقت. إذ لا يعني ذلك انسحاباً إسرائيلياً إلى الحدود الدولية، كما أن الدولة اللبنانية لا تملك أدوات كافية لضمان هذا الانسحاب. كما أن أي وقف للحرب قد يضع نتنياهو أمام خسارة سياسية داخلية، خاصة بين قواعده، ولا سيما سكان المناطق الحدودية.

غير أن ما يجري في لبنان يكشف تحولاً مهماً في الموقف الأميركي، بعد أن كانت واشنطن قد تبنّت سابقاً مقاربة الفصل بين المسارات. إذ يبدو أن إدارة ترامب تتجه نحو ربط الملفات الإقليمية ضمن مقاربة شاملة، وهو ما يتقاطع مع الجهد المصري الرامي إلى تهدئة متعددة الساحات وفتح المجال أمام استقرار إقليمي أوسع.

تنعكس هذه التحولات على الوضع الداخلي الإسرائيلي، حيث يجد نتنياهو نفسه أمام معادلة معقدة: نجاح الجهود الأميركية–المصرية يعني خسارته في ثلاث جبهات؛ الأولى إيران التي خرجت جزئياً من نطاق الضغط المباشر، والثانية لبنان، والثالثة إعادة القضية الفلسطينية، وحصريا في غزة والضفة، إلى صدارة الأجندة السياسية، وهو ما يتعارض مع استراتيجيته.

لبنانياً، يشكّل وقف إطلاق النار، في حال تحققه، مكسباً للدولة، كما أن الربط الأميركي بين المسارات قد يوفر مخرجاً مقبولاً لـ حزب الله، ويحدّ من احتمالات الانزلاق نحو توترات داخلية خطيرة. أما إسرائيلياً، فقد يُقبل وقف إطلاق النار بوصفه إجراءً مؤقتاً يجمّد الواقع القائم دون أن ينهيه، مع سعي نتنياهو إلى تسويقه داخلياً على هذا الأساس. في المقابل، ترى إيران في التهدئة في لبنان إنجازاً سياسياً بحد ذاته. تنسبه لموقفها.

الخلاصة:

**يتأكد مجدداً أن قرار وقف الحرب، أو الدفع نحو التهدئة، بات إلى حد كبير بيد الإدارة الأميركية، مع تراجع نسبي في قدرة الحكومة الإسرائيلية على التحكم الكامل بمسارها.
**يعكس المسعى المصري لربط الملفات الإقليمية اتجاهاً عربياً متماسكاً نحو إعادة الاستقرار، ويعيد وضع القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام الدولي، في مقابل مساعي إسرائيلية لإبعادها عن الأجندة السياسية.
**تشير مسارات الوساطة ومفاوضات إسلام آباد إلى اقتراب الأطراف، لا سيما إيران والولايات المتحدة، من صيغ قابلة للتعايش من قبل الطرفين، ما يفتح نافذة حقيقية للتهدئة، رغم استمرار التعقيدات.
**لا يعني أي وقف محتمل لإطلاق النار في لبنان انسحاباً إسرائيلياً إلى الحدود الدولية، بل يرجّح أن يكون مؤقتاً وهشاً، ما لم يقترن بقرار أميركي حاسم يربط التهدئة بتفاهمات أوسع مع إيرا ومع دول المنطقة.
**تبقى احتمالات التهدئة واقعية وممكنة، خصوصاً في حال نجاح المفاوضات الأميركية–الإيرانية، إلا أنها تظل رهينة التوازنات الإقليمية وتعقيدات المشهد الميداني والسياسي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.