اجتماع سري للدول النووية الخمس في الدار البيضاء: التوقيت والأهداف
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقدير موقف:
تقديم: كشفت موسكو عن اجتماع سري عقدته الدول النووية الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي في الدار البيضاء بالمغرب. وقد أثار هذا الكشف، كما أثار صمتُ باريس ولندن وواشنطن، تساؤلات بشأن الحاجة إلى عقد الاجتماع والهدف منه والمسائل التي جرت مناقشتها ومدى صلتها العاجلة بالحروب والصراعات المشتعلة.
في المعطيات:
• في 30 مايو 2026، كشف نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، في تصريحات لوسائل إعلام روسية، عن اجتماع سري مهم عُقد في مدينة الدار البيضاء بالمغرب قبل أسابيع قليلة.
• أكد ريابكوف أن الاجتماع جرى تحت التنسيق البريطاني في إطار آلية دول الخمس الدائمة العضوية (P5)، وشمل خبراء ودبلوماسيين من الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة.
• ركّز الحوار، وفق ما تسرّب، على الاستقرار الاستراتيجي والحدّ من المخاطر النووية، مع الإقرار بغياب تقدم ملموس بسبب الفوضى العسكرية والسياسية الناجمة عن الحربين في أوكرانيا وإيران.
• التزمت الدول الغربية الصمت الرسمي، بينما رحّبت وسائل إعلام مغربية بدور المغرب وسيطاً حيادياً موثوقاً، بعد أن جرى تسريب الخبر من قِبَل الطرف الروسي.
• في 22 مايو 2026، اختتم مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في نيويورك دون التوصل إلى توافق كامل على وثيقة نهائية، بسبب الانقسامات العميقة حول الصراعين في أوكرانيا وإيران. وقد أبرز المؤتمر مخاطر الهجمات على المنشآت النووية السلمية وتهديدات الانتشار النووي.
• تفيد التسريبات الروسية بأن الاجتماع السري عُقد في الفترة الممتدة بين 15 و20 مايو 2026 تقريباً بالدار البيضاء، بعيداً عن الأضواء الإعلامية، ودام ثلاثة أيام، وشارك فيه خبراء نوويون ودبلوماسيون رفيعو المستوى، وكان الحوار مغلقاً تماماً وذا طابع فني، دون إصدار أي بيان مشترك.
• أشارت التسريبات إلى أن أجندة الاجتماع تضمّنت نقاشات تناولت المحاور التالية:
1. مخاطر التصعيد النووي في أوكرانيا.
2. الأزمة النووية الإيرانية والحرب الدائرة عام 2026.
3. الحدّ من الانتشار النووي والتجارب النووية.
4. الاستقرار الاستراتيجي بين الدول الكبرى.
• في 27 أبريل 2026، جرت التحضيرات المكثفة لمؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وأعربت خلالها الدول الخمس عن قلق مشترك إزاء خطر التصعيد غير المتعمد في أوكرانيا وتداعيات الحرب الإيرانية.
• أكد خبراء أن الأشهر السابقة شهدت توترات دولية غير مسبوقة؛ إذ أعلنت الولايات المتحدة في فبراير 2026 نيّتها صياغة إطار متعدد الأطراف للحدّ من الأسلحة النووية في أعقاب انتهاء سريان معاهدة “نيو ستارت”.
• يشير مصطلح “ستارت 3” غالباً إلى معاهدة “نيو ستارت” (New START)، وهي آخر معاهدة للحدّ من الأسلحة النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، والتي انتهى سريانها. ويعني عدم تجديدها زوال القيود المفروضة على ترسانات البلدين، وفتح الباب أمام سباق تسلح جديد وحالة من عدم الاستقرار الاستراتيجي.
• في المقابل، أبدت روسيا استعدادها للانخراط في عالم بلا قيود نووية.
• ترفض الصين الانضمام إلى المعاهدة، بالنظر إلى أن حجم ترسانتها النووية لا يزال دون المستوى الذي يستوجب تقييد توسعها وتحديد سقف لعدد رؤوسها الحربية.
• في 6 فبراير 2026، اتهمت الولايات المتحدة الصين بإجراء تجربة نووية سرية عام 2020، ودعت إلى إبرام معاهدة جديدة وأوسع نطاقاً للحدّ من التسلح تشمل الصين وروسيا.
• تفيد التقارير بأن الصين تمتلك ما بين ستمئة وثمانمئة رأس نووي مقابل نحو ثلاثة آلاف وسبعمئة رأس تمتلكها الولايات المتحدة. وتؤكد تقارير غربية أن الصين تنتج نحو مئة صاروخ نووي سنوياً، مما يعكس عمق القلق الأمريكي من تنامي القوة الصينية.
• في 27 مايو 2026، وقّعت النرويج وفرنسا اتفاقية دفاعية تنضوي بموجبها أوسلو تحت إطار “المظلة النووية” الفرنسية، عبر انضمامها إلى برنامج “الردع الأمامي” الذي تقوده باريس.
• أكد خبراء في الشؤون الاستراتيجية أن الاجتماع جاء استجابةً لتصاعد مخاطر اندلاع حرب نووية، في ضوء تكرار التحذيرات الروسية في هذا الشأن، وتلويح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإمكانية استخدام “الأسلحة الاستراتيجية الرادعة”، وحديث الرئيس الأمريكي عن إمكانية محو الحضارة الإيرانية.
• ترى أبحاث متخصصة أن الصراعات غير القابلة للحل في العالم أدخلت مناطق كأوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا في حمّى اقتناء السلاح النووي أو السعي إلى الحصول على مظلة نووية، على نحوٍ بات يهدد السلم الدولي من الناحية النووية.
• تقول مصادر مغربية إن اجتماع الدار البيضاء 2026 يستحضر مؤتمر أنفا التاريخي عام 1943، الذي جمع روزفلت وتشرشل لرسم ملامح نهاية الحرب العالمية الثانية.
• تستبعد هذه المصادر أن يكون الطابع التاريخي وحده وراء اختيار القوى الكبرى الدارَ البيضاء مجدداً مقرّاً لاجتماعها، وترى أنه منذ امتنعت روسيا والصين في 31 أكتوبر 2025 عن استخدام حق النقض في مجلس الأمن ضد مشروع قرار أمريكي يؤيد الخيار المغربي في مسألة الصحراء، غدا المغرب ساحةَ توافق دولي مثالية لاستضافة هذا الاجتماع.
• تؤكد معلومات أن الملف النووي الإيراني كان حاضراً في مباحثات الاجتماع، انطلاقاً من حرص تلك الدول على تفادي ولادة “كوريا شمالية نووية” جديدة تجعل القوة النووية في العالم خارج نطاق السيطرة، ولا سيما من قِبَل الدول الكبرى.
خلاصة:
• يكشف انعقاد اجتماع القوى النووية الدائمة العضوية في سرية تامة عن مصلحة مشتركة للدول الخمس في ضبط القوة النووية عالمياً، بعد أن باتت قابلةً للخروج عن السيطرة في أعقاب امتلاك الهند وباكستان وكوريا الشمالية السلاح النووي، وقيام الاحتمال الإيراني ماثلاً.
• رغم أن الاجتماع جرى في سرية تامة ولم تصدر عنه أي قرارات، فإن ما تسرّب يكشف عن هواجس مشتركة من تحوُّل الصراعات الراهنة إلى حرب عالمية ثالثة ستكون نووية الطابع.
• تعود الفوضى النووية إلى انتهاء معاهدة “نيو ستارت” دون تجديد، ورفض بكين الانضمام إلى أي اتفاقية تحدّ من ترسانتها النووية.
• بفعل الصراعات الجيوستراتيجية وتحولات موازين القوى، كفّت روسيا عن ممارسة دورها السابق في عهد الاتحاد السوفياتي القاضي بالضغط على الصين في المسألة النووية، كما أحجمت هي والصين معاً عن ممارسة أي ضغوط على كوريا الشمالية في هذا الشأن.
• قد تدفع الصراعات الدولية وحربا أوكرانيا وإيران أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط إلى الانخراط في سباق تسلح نووي يصعب لاحقاً السيطرة عليه.
• جاء اجتماع الدار البيضاء على مستوى الخبراء، لحاجة القيادات السياسية إلى معطيات تُمكّنها من المضي في مفاوضات قد يطول أمدها بهدف إعادة ضبط الترسانات النووية في العالم.
• يجمع الخبراء على أن روسيا والصين لا مصلحة لهما في مساعدة إيران على صنع قنبلة نووية، على الرغم من الصراع مع الغرب، إذ لا تريدان نشوء قوة نووية جديدة تكون سبباً في ظهور قوى نووية أخرى في الشرق الأوسط.
• ترى مصادر مغربية أن اختيار الدار البيضاء مقرّاً لاجتماع بهذه الأهمية يعود إلى الموقع الدبلوماسي الجديد للمغرب بوصفه قوةً جاذبة، في أعقاب توافق الدول الخمس على دعم القرار الأممي المؤيد للخيار المغربي في مسألة الصحراء.