اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الاليات والتداعيات المستقبلية

عين على الإعلام الغربي.

حمزة علي/ مركز تقدم للسياسات

تقديم: وافقت الحكومة الإسرائيلية على اتفاق وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين من الطرفين، ويفرض انسحابًا جزئيًا للقوات الإسرائيلية من القطاع. والتقدير بانه في أحسن الأحوال، يعد الاتفاق حتى في مرحلته الأولى، خطوة هشة، إذ لم يتوصل المفاوضون بعد إلى حل للخلافات الجوهرية التي عرقلت جهود السلام السابقة. ويقترن وقف إطلاق النار بمبادرة إنسانية كبرى: ستسمح إسرائيل بموجبها بدخول 600 شاحنة مساعدات إلى غزة يوميًا عبر المعابر الخمسة، مما يُعيد الإمدادات إلى مستويات ما قبل الحرب. فقد اجتاح سوء التغذية والمجاعة أجزاءً واسعة من القطاع، حيث تحولت معاناة المدنيين إلى كارثة إنسانية.

سيعتمد تطور وقف إطلاق النار إلى سلام مستدام أو انهياره تحت الضغط السياسي على ما سيحدث في الأشهر المقبلة. هذا ما علق عليه الخبراء الغربيون:
– تحول في موازين القوى، وتحالفات متضائلة: وفقًا لمحرر الشؤون الدولية في هيئة الإذاعة البريطانية (9 أكتوبر)، فإن الاتفاق خطوة مهمة، لكنه بعيد كل البعد عن أن يكون نتيجة نهائية. تُعتبر خطة ترامب إطارًا فضفاضًا، وليست صفقة نهائية. ويشير التقرير إلى أن نقطة تحول حاسمة جاءت مع محاولة إسرائيل الفاشلة لاغتيال قادة حماس في الدوحة في 9 سبتمبر، وهي خطوة خاطئة جعلت واشنطن تبدو عاجزة عن حماية حلفائها العرب وكشفت عن تصدعات في التنسيق الأمريكي الإسرائيلي طويل الأمد.
– بالنسبة لمجلة الإيكونوميست (9 أكتوبر)، فالاتفاق “لحظة استثنائية” في منطقة مزقتها عقود من الحرب و “فرصة متواضعة، ولكنها حقيقية لبداية جديدة”. وتجادل المجلة بأن وقف إطلاق النار هذا يمثل الفرصة الأكثر مصداقية للسلام منذ اتفاقيات أوسلو في التسعينيات، لكنها تحذر من أن تغيير القيادة على كلا الجانبين أمر ضروري. قد تشهد إسرائيل، التي تواجه انتخابات في غضون عام، نهاية حكم بنيامين نتنياهو وتحالفه مع اليمين المتطرف. وعلى الصعيد الدولي، يتغير الزخم. فقد أظهر ترامب استعدادًا لممارسة الضغط على إسرائيل بطرق لم يجرؤ أسلافه على القيام بها أبدًا، توبيخ الضربات على قطر، وإجبار التحرك بشأن صفقة الرهائن، والضغط من أجل إنهاء الحرب.

– تحثّ مجلة الإيكونوميست على استمرار هذا الضغط: يجب على إسرائيل كبح جماح التوسع الاستيطاني، ووقف خنق المؤسسات الفلسطينية، وكبح جماح عنف المستوطنين غير الشرعيين. في غضون ذلك، يجب على الدول العربية دفع السلطة الفلسطينية إلى الإصلاح. الرسالة واضحة: هناك تحول كبير محتمل في الأفق، ولكن بدون تغيير سياسي هيكلي، فإن وقف إطلاق النار ليس سوى استراحة مؤقتة قبل الانهيار التالي.
– في افتتاحيتها بتاريخ 10 أكتوبر، وصفت صحيفة الغارديان الهدنة بأنها “أفضل فرصة لإنهاء حرب إسرائيل في غزة منذ بدايتها”. تعزو الصحيفة هذا الاختراق إلى تزايد الضغوط الدولية والمحلية، وخاصة من الجماهير الغربية التي تطالب بإنهاء التدمير والحرب. لكنها تحذر من أن إغراء حلفاء إسرائيل سيكون التراخي، والتعامل مع هذه الصفقة كحل بدلاً من كونها مقدمة للعمل الأصعب المتمثل في بناء السلام. وتصرّ الافتتاحية على أنه “يجب عليهم بدلاً من ذلك بذل جهود مكثفة لتحقيق سلام قوي ودائم”.

يُبرز هذا النوع من التعليقات الغربية موضوعًا محوريًا، وهو التحول في الحسابات الأخلاقية الغربية. الرأي العام، الذي كان يومًا ما داعمًا قويًا لإسرائيل، يُطالب الآن بالمساءلة. لم يعد بإمكان القادة السياسيين تحمّل الانحياز الأعمى. ترامب، على وجه الخصوص، يُصوَّر على أنه العامل غير المتوقع لهذا التحول، إذ يُمثل نفاد صبره من نتنياهو واستعداده لفرض تصورات وخطط تمثل تحولًا جذريًا بعد عقود من الحذر الأمريكي في المنطقة.
– لخصت صحيفة وول ستريت جورنال (9 أكتوبر/تشرين الأول) جوهر هذا التحول الجيوسياسي باقتباس لافت للمفاوض المخضرم آرون ديفيد ميلر: “ترامب هو الرئيس الأمريكي الوحيد منذ زمن طويل القادر على إجبار رئيس وزراء إسرائيلي على قبول مقترح سلام أمريكي”.
– وتُوسّع صحيفة فايننشال تايمز (10 أكتوبر/تشرين الأول) هذا الموضوع، واصفةً تدخل ترامب بأنه قد يُعيد تعريف السياسة الداخلية الإسرائيلية. وتُشير الصحيفة إلى أن صبر ترامب على حملة نتنياهو المطولة على غزة قد نفد، مما لم يترك للزعيم الإسرائيلي خيارًا سوى الامتثال للمطالب الأمريكية. وبذلك، حرّك نتنياهو قوىً قد تُعيد تشكيل المشهد السياسي الإسرائيلي وتُضعف كتلة اليمين المتطرف التي ميّزت حكمه.
– وفقًا لصحيفة “فايننشال تايمز”، كشف وقف إطلاق النار عن تصدعات عميقة داخل الائتلاف الحاكم. حيث يرى الشركاء القوميون المتطرفون الذين دعموا نتنياهو في السلطة أن الهدنة خيانة، وبدأت الوحدة الداخلية بالتفكك. حتى داخل دائرة نتنياهو، ثمة اعتراف ضمني بأن الانتخابات المبكرة تبدو الآن حتمية. لكن اللافت للنظر ليس هشاشة الائتلاف فحسب، بل هو التحول الاستراتيجي لنتنياهو نفسه.

– تشير الصحيفة” إلى أن نتنياهو يُهيئ نفسه الآن للبقاء السياسي دون الكتلة المتطرفة التي أصبحت عبئًا. بدلًا من انهيار مسيرته المهنية، قد يُمثل هذا بداية إعادة اختراع مدروسة: محاولة للعودة متحررة من قيود اليمين المتطرف. وكما قال الخبير الاستراتيجي السياسي ناداف شتراوشلر، وهو مستشار سابق: “كان التوقيت مناسبًا للقيام بـ”خروج” الآن” – انسحاب مُحكم بدلًا من الاستسلام. وبالمثل، يتوقع خبير استطلاعات الرأي ميتشل باراك أنه في حين أن “نهاية الحكومة قريبة”، إلا أن نتنياهو نفسه قد يتحملها.
– الاستنتاج الذي توصلت إليه صحيفة “فايننشال تايمز” صارخ: الحرب التي وحدت ائتلاف اليمين المتطرف في إسرائيل أصبحت الآن المحفز لتفككه المحتمل. ما يلي قد يكون أولى علامات إعادة صياغة النظام السياسي. إسرائيل مجبرة اليوم، بفعل الظروف، وبضغط الولايات المتحدة، على الابتعاد عن التطرف والتوجه نحو إعادة ضبط النفس.

الخلاصة:
** يمثل اتفاق وقف إطلاق النار أكثر من مجرد توقف مؤقت في إراقة الدماء؛ إنه يشير إلى اهتزاز أعمق في النظام السياسي والدبلوماسي المحيط بإسرائيل وغزة. الإجماع بين المحللين الغربيين هو أن هذه الهدنة، رغم انه يمكن وصفها بالمؤقتة وغير المكتملة والهشة، الا انها مع ذلك تمثل أهم فرصة للتغيير منذ جيل.
** تقف إسرائيل عند مفترق طرق: تشير التصدعات داخل ائتلاف نتنياهو اليميني المتطرف إلى أن ميزان القوى المحلي آخذ في التحول، ربما بشكل حاسم. إذا خرج نتنياهو من الانتخابات القادمة غير مقيد بشركائه القوميين المتطرفين، فقد تبدأ إسرائيل في إعادة ضبط سياساتها وموقفها الدولي.
** بالتوازي مع ذلك، يبدو أن النفوذ الأمريكي – الذي استعاد نشاطه في ظل نهج ترامب الأكثر حزمًا، إذ يُعيد تأكيد نفسه حاليًا كعامل ضبط النفس بدلًا من التصعيد.
** بالنسبة لغزة والمنطقة ككل، فإن تداعيات الاتفاق بالغة الأهمية. يتطلب السلام المستدام خطوات ملموسة: إصلاحات حوكمة فلسطينية ذات مصداقية، والتزام إسرائيل بوقف التوسع الاستيطاني، وضغطًا دوليًا مستمرًا.
** في خضم استنزاف الحرب واثارها العميقة، يلوح تحول خفي – الشعور بأن اليقينيات القديمة تضعف، وأن إمكانيات جديدة، مهما كانت ضيقة، آخذة في الظهور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.