اتفاق دمشق والحسكة، تغليب للغة المصالحة والحوار

مصطفى المقداد، مركز تقدّم للسياسات – دمشق

تقديم: مع تصاعد التوترات الميدانية بين الجيش السوري وقوات «قسد» في بعض احياء مدينة حلب، شهدت دمشق في السابع والثامن من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري جولة حوار غير مسبوقة، ضمّت الرئيس أحمد الشرع، والوزير أسعد الشيباني، واللواء مرهف أبو قصرة وزير الدفاع، واللواء حسين سلامة رئيس جهاز المخابرات من جانب الحكومة، وقائد «قسد» مظلوم عبدي من الجانب الآخر، في لقاءات متعددة بحضور مبعوثين أميركيين وروس.
كما حضرت الاجتماعات إلهام أحمد، رئيسة مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، في مؤشر على رغبة الجناح السياسي لـ«قسد» في أن يكون جزءاً مباشراً من مسار التفاهم مع دمشق.
غير أن تأخر السفير الشيباني في استقبالها في اليوم الأول فُسِّر من قبل بعض المتابعين على أنه إشارة ضغط دبلوماسية محسوبة، تهدف إلى تذكير وفد «مسد» بضرورة ضبط سقف الطرح السياسي، والتعامل مع الدولة كمرجعية نهائية.

في التفاصيل:

– أسفرت اللقاءات عن اتفاق لوقف شامل لإطلاق النار، وإحياء اتفاق 10 آذار 2025 كأساس للتفاهم السياسي والإداري، مع التركيز على دمج المؤسسات وتسليم المعابر وحقول النفط إلى الدولة السورية.
لكن لم يتحقق التزام كامل، إذ صرحت وزارة الدفاع بحدوث عدد من الخروقات من جانب «قسد»، واستمرارها في عمليات التحصين في بعض نقاط التماس.
– رغم وصف بعض الدبلوماسيين في دمشق الخطوة بأنها «انفراج أولي»، الا أن غياب وثائق تنفيذية واضحة يبقي التطبيق رهيناً بحسن النيات وتوازنات الميدان.
– تراهن مصادر السلطة على تحولات في الوضع العشائري والمجتمعي في محافظة الحسكة كعامل حاسم في المعادلة. مستندين الى بيانات قيل انها تعبر عن وجهاء المدينة وفعالياتها الاجتماعية يؤكدون فيها تمسكهم بالبقاء ضمن الدولة المركزية، ورفضهم أي نزعة انفصالية، معتبرين أن وحدة البلاد لا تُجزّأ، وأن الحل الحقيقي يمر عبر الحوار الوطني، لا المشاريع العابرة. فيما مصادر “مسد” وهي سلطة الإدارة الذاتي في شمال شرق سوريا، ان بعض البيانات التي صدرت عن فعاليات المحافظات التي تقع تحت سلطتها تتوافق تماما مع الموقف العام بما في ذلك الكون الكردي المتمسك بوحدة البلاد والحوار الوطني واستبعاد الحلول العسكرية.
– أظهرت زيارة الوزير الشيباني إلى أنقرة أن تركيا تلعب دوراً داعماً للاتفاق، إذ تضع شروطها الأمنية والسياسية من خلال حرصها على عدم السماح لأي قوة انفصالية بالتمدد على طول حدودها.
وفي الوقت نفسه، ترى أن دعم دمشق في السيطرة على كامل الجزيرة السورية يمكن أن يخدم مصالحها الإقليمية من خلال تقليص نفوذ «قسد» وإعادة تنظيم الوجود الكردي في المناطق الحدودية الشمالية.
– تشير المصادر التركية، ان انقرة مستعدة لبذل الجهود الدبلوماسية لتقديم غطاء سياسي وضغط دبلوماسي محدود لتثبيت التهدئة واعتماد الحوار والحلول السياسية إذ تدرك انقرة أي انفجار للوضع الأمني على حدودها الجنوبية، يمكن ان تفضي الى ازمة مع المكون التركي الكردي، والعودة بالبلاد الى الفوضى بعد الخطوة التاريخية التي أقدم عليها زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله اوجلان، بالتخلي عن مطالبه الانفصالية والكفاح المسلح.

مرحلة التطبيق وداوله الزمنية:

المرحلة 1: التهدئة الفورية (3 أشهر(
• وقف إطلاق النار في كامل المناطق.
• إعادة انتشار قوات الطرفين في نقاط التماس لتقليل الاحتكاك.
• مراقبة ميدانية من مبعوثين دوليين (أميركيين وروس) لتأكيد التزام الطرفين.
• ضغط محلي من الأهالي لدعم الالتزام بوحدة الدولة والامن والاستقرار.
المرحلة 2: التفاهم السياسي المؤقت (3–6 أشهر(
• إحياء اتفاق 10 آذار وتطبيقه بشكل جزئي (دمج مؤسسات، تسليم المعابر(.
• استكمال الاجتماعات بين وفود دمشق و«قسد» لمناقشة الأطر الإدارية.
• دور تركي فني ولوجستي داعم للتهدئة، وربما لتسهيل تسليم مناطق محددة للسلطة السورية.
المرحلة 3: الضمانات والآليات التنفيذية (6–12 شهراً(
• إعداد وثائق تنفيذية مكتوبة تشمل جدولاً زمنياً واضحاً للدمج والرقابة.
• إنشاء لجنة متابعة رباعية (دمشق – قسد – روسيا – أميركا) لضمان الالتزام بوقف التوتر والدخول في التسويات الشاملة.
• بدء آليات دمج جزئية للقوى العسكرية والإدارية المحلية.
المرحلة 4: الاستقرار والتسوية النهائية (12–18 شهراً(
• دمج كامل للمؤسسات المدنية والعسكرية.
• مراجعة قانونية ودستورية لإعادة تنظيم الحكم الإداري المحلي بما يراعي مصالح مكونات الجزيرة.
• تثبيت دور تركيا كمراقب وضامن لعدم عودة أي توتر أمني على الحدود.

خلاصة:

** اتفاق دمشق الأخير بين ” قسد” والسلطة في دمشق، يشكّل فرصة ثمينة لتثبيت الهدوء، لكنه يظل اتفاقاً هشّاً ما لم يُترجم إلى التزامات مكتوبة وجداول زمنية واضحة تضع حداً للغموض وتعيد الثقة بين الطرفين.
**الضمان الأهم للتنفيذ والالتزام، ليس بالوعود الدولية، بل تحقيق الاستقرار والامن وبدء دوران عجلة الاقتصاد، فالشعب الذي احتفل بسقوط دولة الطغيان والتسلط ، ينتظر بعد عشرة اشهر من التغيير، نحسنا ملموسا في ظروفه المعيشية ، وهو الخاسر الأول من كل تأخير في الوصول إلى سلام دائم.
**هناك حاجة إلى جهود كبيرة من الطرفين لتعزيز الثقة المتبادلة، وإبعاد شبح تكرار سيناريوهات الساحل والسويداء.
**ثمة عوامل جامعة ومصالح مشتركة يمكن البناء عليها، أساسها الخلفيات الاجتماعية والتداخل الديمغرافي في مناطق الخلاف، إذ ينبغي تعزيزها بقوة، والبناء على المصالح المتجذرة عبر التاريخ الطويل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.