إيران تفتح جبهة العراق ضد الخليج: الوقائع والتداعيات
تقدير موقف، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم
أثارت اعتداءات على عدد من دول الخليج نفذتها طائرات مسيرة انطلقت من الأراضي العراقية غضباً خليجياً واسعاً، ووضعت الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي أمام اختبار مبكر وبالغ الحساسية في كيفية بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وكبح جماح الفصائل المسلحة التابعة لإيران. وتطرح هذه الأحداث تساؤلات جوهرية حول كيفية مقاربة اعتداءات مصدرها العراق وأوامر تنفيذها تصدر من طهران، وكيف يمكن لدول الخليج التعامل مع حكومة الزيدي المدعومة من واشنطن في ظل هذه المعادلة المركبة.
أولاً: المعطيات.
– الهجمات وتسلسلها الزمني:
في السابع عشر من مايو 2026، اعترضت الدفاعات الجوية السعودية ثلاث طائرات مسيرة قادمة من الأجواء العراقية، وفق بيان رسمي صادر عن وزارة الدفاع السعودية، التي أكدت في الوقت ذاته “الحق في الرد في الوقت والمكان المناسبين”. وفي اليوم نفسه، أصابت طائرة مسيرة مولداً كهربائياً قرب محطة براكة النووية في أبوظبي.
وفي التاسع عشر من مايو 2026، أكدت وزارة الدفاع الإماراتية أن الطائرات المسيرة الثلاث التي استهدفت محطة براكة انطلقت جميعها من الأراضي العراقية، مشيرةً إلى أن قوتها الجوية أسقطت اثنتين بينما أصابت الثالثة مولداً كهربائياً خارج المحيط الداخلي للمحطة. وأعلنت الإمارات في السياق ذاته عن مواجهة ست طائرات معادية خلال ثماني وأربعين ساعة، محذرةً من حقها في الرد.
– المواقف الإقليمية والدولية:
على الصعيد الخليجي، أدان مجلس التعاون الخليجي الهجمات في الثامن عشر من مايو 2026، ووصفها أمينه العام جاسم البديوي بـ”انتهاك صارخ”. كما أدانت الإمارات بالتوازي الهجمات على المملكة العربية السعودية، معربةً عن تضامنها الكامل معها.
وفي تصريح لافت، ألقى أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، باللوم على إيران دون تسميتها مباشرة، قائلاً: “سواء نفذها الفاعل الرئيسي أو من خلال أحد وكلائه، فإن هجمات الطائرات المسيرة تمثل تصعيداً خطيراً”.
على الصعيد العراقي، أصدرت وزارة الخارجية بياناً يدين الهجوم على الإمارات، في حين نفى المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان اكتشاف أي إطلاق من الأراضي العراقية، مؤكداً أن العراق “لن يكون منطلقاً للعدوان”. ودعا المتحدث الحكومي باسم العوادي إلى فتح تحقيق في الحادثة، فيما طالب رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي السلطات العراقية بملاحقة كل من “يضر بعلاقات العراق العربية أو يزعزع الأمن الإقليمي”.
– الفصائل المتهمة وخلفياتها:
نسبت التقارير الهجمات إلى ما بات يُعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق”، وهي مظلة تضم فصائل شيعية مدعومة إيرانياً، في مقدمتها كتائب حزب الله وحركة النجباء وعصائب أهل الحق. وتكشف التقارير أن هذه الفصائل تعمل على تعزيز نفوذها داخل هيئة الحشد الشعبي، وتقاوم بشكل منهجي أي محاولة لفرض احتكار السلاح بيد الدولة. كما تشير إلى أن أجندات هذه الفصائل الإقليمية تنصبّ في خدمة المصالح الإيرانية، لا سيما بوصفها ورقة ضغط في مواجهة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وذلك حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل 2026.
في المقابل، تنفي مصادر هذه الفصائل أي تورط في الهجمات، وتصفها إما بأنها أنباء كاذبة، أو تُلمّح إلى أن إسرائيل هي من نفذها انطلاقاً من قواعد كانت تعمل سراً داخل الأراضي العراقية.
ثانياً: التحليل:
– الحكومة العراقية الجديدة أمام اختبار السيادة:
يُمثّل تعهد حكومة علي الزيدي بـ”احتكار السلاح” بيد الدولة خطوةً تحظى بترحيب واشنطن وعواصم الخليج، وتُشكّل في حد ذاتها تحولاً خطابياً ذا دلالة. غير أن ترجمة هذا التعهد إلى واقع تنفيذي تظل مقيدة بجملة من القيود البنيوية؛ فالحكومة تنتهج حتى الآن تدابير أمنية احترازية ونشراً للقوات في المناطق الحدودية الغربية، لكنها تتحاشى أي مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة. ويجد الزيدي نفسه في معادلة بالغة التعقيد، إذ يسعى في آنٍ واحد إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الخليج، والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع طهران، وتلبية المطالب الأمريكية لضمان استمرار الدعم السياسي والمالي لواشنطن.
– إيران وتوظيف الورقة العراقية:
تكشف هذه الهجمات عن استراتيجية إيرانية راسخة تقوم على توظيف الفصائل الموكلة في العراق أداةً للضغط الإقليمي، مع الإبقاء على مسافة آمنة من المسؤولية المباشرة. وتأتي هذه الهجمات في سياق مثير للتأمل، إذ وقعت عقب وقف إطلاق النار المُعلن في أبريل 2026، مما يُرجّح أن طهران تسعى إلى الاحتفاظ بأوراق ضغط فاعلة في مواجهة الغرب وإسرائيل، حتى في مراحل التهدئة الرسمية. ويُجسّد الربط بين تصريح قرقاش وصمت واشنطن حيال انتهاك الهدنة تعقيداً دبلوماسياً بالغاً يُصعّب على دول الخليج الحصول على استجابة أمريكية حازمة تتجاوز حدود الإدانة اللفظية.
– خيارات الخليج ومحدوديتها:
تمتلك دول الخليج جملةً من الخيارات المتاحة في مواجهة هذه التطورات، تتدرج من الإجراءات الدبلوماسية وتقليص حجم التعاون الاقتصادي مع بغداد، وصولاً إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي، مع احتمال اللجوء إلى ضربات انتقامية محدودة. بيد أن المصادر الخليجية ذاتها تميل إلى استبعاد تصاعد الأزمة إلى حد الانفجار الشامل، وترجّح أن العواصم الخليجية تعتمد استراتيجية الضغط المحسوب على بغداد بهدف دفعها نحو تعزيز قدرتها على بسط السيادة وإحكام السيطرة، لا إلى استعداء حكومة تعدّها شريكاً محتملاً.
– دور واشنطن وحدود تحركها:
تمتلك واشنطن بدورها حزمة من أدوات الضغط، تشمل توجيه ضربات مباشرة إلى مواقع الفصائل وقادتها، وفرض عقوبات اقتصادية ومالية مشددة، أو ربط حزم المساعدات الممنوحة للعراق بالإصلاح الأمني المطلوب. كما يُطرح خيار التنسيق الخليجي-الأمريكي الذي قد يشمل مراقبة حدودية مشتركة أو دعماً لوجستياً وأمنياً للحكومة العراقية. غير أن عدم اعتبار واشنطن هذه الهجمات انتهاكاً للهدنة المبرمة مع طهران يكشف عن قيد استراتيجي حقيقي يُضيّق هامش التحرك الأمريكي ويُعقّد التنسيق مع الحلفاء الخليجيين.
ثالثا: الخلاصات:
**في ظل الهدنة القائمة بين إيران والولايات المتحدة، تتهم دول الخليج طهران بمواصلة استهدافها عبر الفصائل الموالية لها في العراق، مُؤكّدةً أن وقف إطلاق النار لم يُوقف الاستراتيجية الإيرانية بل غيّر أدواتها.
**رغم معرفة دول الخليج بهوية الفصائل المنفذة ومن يقف وراءها، فإنها انتقدت الحكومة العراقية وحمّلتها مسؤولية وقف الاعتداءات الصادرة من أراضيها، في تمييز دبلوماسي دقيق بين مصدر الأوامر وموقع التنفيذ.
**لا يزال الموقف الأمني العراقي ملتبساً؛ إذ تواصل المنابر الرسمية إصدار بيانات مبهمة تشكك في مسؤولية عراقيين عن الاعتداءات، مما يُغذّي مخاوف المراقبين من تصاعد حدة التوتر في العلاقات الخليجية-العراقية.
**على الرغم من أن واشنطن لم تعتبر هذه الهجمات انتهاكاً للهدنة مع طهران رغم التصريحات الإماراتية التي تُحمّل إيران المسؤولية صراحةً، فإن كلاً من دول الخليج والولايات المتحدة يعوّلان على حكومة الزيدي لتنفيذ تعهدها بحصر السلاح بيد الدولة وبسط سيادتها الفعلية على كامل الأراضي العراقية.
وفي المحصلة: تبقى مصلحة حكومة الزيدي في وقف هذه الاعتداءات مصلحةً موضوعية لا جدال فيها، إذ يرتبط بها استمرار تدفق الاستثمارات الخليجية إلى العراق، واستمرار الدعم السياسي والاقتصادي الأمريكي لحكومته في مرحلة تأسيسية بالغة الهشاشة.