إعادة بناء النظام المالي في سوريا:

إصلاح القطاع المصرفي كشرط للتعافي الاقتصادي وتمويل إعادة الإعمار

مركز تقدم للسياسات – دمشق

الملخص التنفيذي:

يمثل إصلاح النظام المالي والمصرفي أحد الشروط الحاسمة لنجاح أي مسار لإعادة بناء الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد الصراع. فالنظام المصرفي السوري تطور تاريخياً ضمن نموذج اقتصادي شديد المركزية، لعبت فيه الدولة الدور الرئيسي في إدارة النشاط الاقتصادي، بينما بقي دور المصارف محدوداً في إدارة السيولة وتنفيذ العمليات التجارية التقليدية، من دون أن يتحول إلى وسيط مالي فعّال قادر على تعبئة المدخرات وتمويل الاستثمار الإنتاجي.

تشير المؤشرات المالية إلى أن النظام المالي السوري يعاني من ضحالة مالية هيكلية مقارنة بالاقتصادات الإقليمية والدولية. فقد بلغ معدل الائتمان المصرفي إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 20–25% قبل عام 2011، مقارنة بمتوسط يقارب 50% في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأكثر من 70% في تركيا. كما بلغ حجم الودائع المصرفية نحو 45–50% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب، وهو مستوى أقل من المعدلات المسجلة في العديد من الاقتصادات الناشئة.

كما يظهر ضعف عمق النظام المالي من خلال مؤشر الأصول المصرفية إلى الناتج المحلي الإجمالي الذي لم يتجاوز نحو 70–80% قبل الحرب، مقارنة بأكثر من 100% في العديد من الاقتصادات الإقليمية وأكثر من 200% في الاقتصادات الأوروبية المتقدمة.

ومع اندلاع الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي، توسع الاقتصاد النقدي خارج النظام المصرفي بشكل كبير. فقد ارتفعت نسبة النقد المتداول خارج المصارف إلى الكتلة النقدية، وهو مؤشر يستخدم دولياً لقياس مستوى الثقة في النظام المالي وعمق الوساطة المالية. وتعكس هذه الظاهرة تراجع الثقة بالمصارف وازدياد الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

كما تعرضت المصارف السورية إلى تآكل حاد في قاعدتها الرأسمالية نتيجة التضخم والانكماش الاقتصادي. فقد انخفضت نسبة رأس المال إلى الموجودات في المصارف الخاصة من 10.49% عام 2010 إلى نحو 0.004% عام 2023، ما يعكس ضعفاً هيكلياً عميقاً في قدرة المصارف على تمويل النشاط الاقتصادي.

تجادل هذه الورقة بأن إعادة بناء الاقتصاد السوري لن تكون ممكنة دون إعادة هيكلة عميقة للنظام المالي والمصرفي بحيث يتحول من نظام يركز على إدارة السيولة إلى نظام قادر على تمويل الاستثمار والتنمية.

كما تؤكد أن تعزيز استقلالية البنك المركزي وتقليص التدخل السياسي في السياسة النقدية يمثلان شرطاً أساسياً لإعادة بناء الثقة في النظام المالي وجذب الاستثمار.

مقدمة:

تُظهر التجارب المقارنة للدول الخارجة من الصراعات أن إعادة بناء الاقتصاد لا تقتصر على إعادة إعمار البنية التحتية المادية، بل تتطلب أيضاً إعادة تأسيس البنية المؤسسية للاقتصاد، وفي مقدمتها النظام المالي والمصرفي.

فالمصارف تمثل الوسيط الرئيسي بين المدخرات والاستثمار، وهي الأداة التي تمكن الاقتصادات من تعبئة الموارد المالية المحلية وتوجيهها نحو النشاط الإنتاجي. ومن دون نظام مالي فعال، تصبح الاقتصادات الخارجة من النزاعات عاجزة عن تمويل التعافي الاقتصادي أو إعادة بناء القاعدة الإنتاجية.

في الحالة السورية، يواجه الاقتصاد تحدياً مزدوجاً:

• فمن جهة، أدت سنوات الصراع إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية الاقتصادية والقاعدة الإنتاجية. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أكثر من 50% من البنية التحتية الاقتصادية في البلاد تعرضت للتدمير أو الضرر الجزئي.
• ومن جهة أخرى، دخلت البلاد مرحلة ما بعد الصراع بنظام مالي لم يتطور تاريخياً ليؤدي دوراً فعالاً في تمويل التنمية.
وقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 60 مليار دولار قبل عام 2011 إلى ما بين 9 و14 مليار دولار في السنوات الأخيرة وفق تقديرات البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وفي هذا السياق، يصبح إصلاح النظام المالي شرطاً أساسياً لإعادة إطلاق النشاط الاقتصادي، إذ لا يمكن لاقتصاد يعاني من ضعف الوساطة المالية أن يمول عملية إعادة الإعمار أو يدعم الاستثمارات الإنتاجية.

– تطور النظام المصرفي السوري:
تأثر تطور النظام المصرفي السوري بالتحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد منذ مرحلة الانتداب.

ففي مرحلة ما قبل الاستقلال، كانت المصارف الأجنبية، ولا سيما الفرنسية والبريطانية، تهيمن على النشاط المصرفي في سوريا. وكان مصرف سوريا ولبنان يقوم بدور البنك المركزي ويحتكر إصدار العملة وإدارة العمليات المصرفية.

في عام 1956 تم تأسيس مصرف سوريا المركزي ليكون الجهة المسؤولة عن إدارة السياسة النقدية وإصدار العملة الوطنية.

غير أن التحولات السياسية في الستينيات، ولا سيما صعود النموذج الاقتصادي الاشتراكي، أدت إلى تأميم المصارف الخاصة وإنشاء نظام مصرفي تهيمن عليه الدولة.

وفي عام 1966 تم إنشاء المصرف التجاري السوري بعد تأميم عدد من المصارف الخاصة.

خلال العقود التالية، تطور النظام المصرفي ضمن نموذج اقتصادي قائم على التخطيط المركزي وهيمنة القطاع العام.

ومع بداية الألفية الجديدة بدأت الحكومة السورية إدخال إصلاحات محدودة، أبرزها:

​•​قانون المصارف الخاصة لعام 2001

​•​قانون النقد الأساسي لعام 2002

​•​تأسيس سوق دمشق للأوراق المالية عام 2009

إلا أن هذه الإصلاحات بقيت جزئية ولم تؤد إلى تحول بنيوي في النظام المالي.

– تشخيص النظام المالي السوري بعد الحرب:
أدى الصراع المسلح منذ عام 2011 إلى إضعاف النظام المالي والمصرفي بشكل كبير.

فقد تراجعت مستويات الإنتاج والاستثمار، وازدادت المخاطر الائتمانية، وتراجعت الثقة في المؤسسات المالية.

ويظهر ضعف عمق النظام المالي السوري من خلال عدة مؤشرات رئيسية.

فمؤشر الائتمان المصرفي إلى الناتج المحلي لم يتجاوز قبل الحرب 20–25%.

كما بلغ مؤشر الودائع المصرفية إلى الناتج المحلي نحو 45–50%.

أما مؤشر الأصول المصرفية إلى الناتج المحلي فقد بلغ نحو 70–80% قبل الحرب.

تشير هذه المؤشرات إلى أن الاقتصاد السوري كان يعاني من ضعف الوساطة المالية حتى قبل اندلاع الصراع.

إلى جانب ذلك، توسع الاقتصاد النقدي خارج النظام المصرفي خلال سنوات الحرب نتيجة فقدان الثقة بالمصارف وارتفاع التضخم وتوسع الاقتصاد غير الرسمي.

ويعد مؤشر النقد المتداول خارج المصارف إلى الكتلة النقدية أحد أهم المؤشرات المستخدمة دولياً لقياس مستوى الثقة في النظام المالي. وقد ارتفعت هذه النسبة بشكل كبير في سوريا خلال سنوات الصراع، ما يعكس انتقال جزء كبير من النشاط الاقتصادي إلى الاقتصاد النقدي غير المنظم.

كما تعرضت المصارف السورية إلى تآكل كبير في القاعدة الرأسمالية نتيجة التضخم والانكماش الاقتصادي، حيث انخفضت نسبة رأس المال إلى الموجودات في المصارف الخاصة من 10.49% عام 2010 إلى نحو 0.004% عام 2023.

كما يهيمن القطاع المصرفي الحكومي على النظام المالي، إذ يشكل أكثر من 70% من حجم القطاع المصرفي السوري.

وفي الوقت نفسه، يفتقر هذا القطاع إلى إطار قانوني حديث ينظم عمل المصارف العامة ويمنحها استقلالية إدارية ومالية بما يتوافق مع معايير الحوكمة الحديثة.

– دور القطاع المصرفي في تمويل إعادة الإعمار:
تشير التجارب الدولية إلى أن الأنظمة المصرفية المحلية لعبت دوراً محورياً في تمويل مراحل التعافي الاقتصادي في الدول الخارجة من الصراعات.

ففي ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وفي كوريا الجنوبية خلال مرحلة التنمية الصناعية، لعبت المصارف دوراً أساسياً في تعبئة المدخرات المحلية وتوجيهها نحو الاستثمار.

في الحالة السورية، تبدو هذه المسألة أكثر إلحاحاً.

فوفق تقديرات الأمم المتحدة، تجاوزت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الحرب 400 مليار دولار.

كما أن التمويل الخارجي لإعادة الإعمار قد يظل محدوداً بسبب التعقيدات السياسية والعقوبات الاقتصادية.

لذلك يصبح تنشيط دور القطاع المصرفي المحلي في تمويل إعادة الإعمار ضرورة اقتصادية وليس خياراً سياسياً.

غير أن تحقيق ذلك يتطلب إعادة تعريف دور المصارف بحيث تتحول إلى مؤسسات تمويل تنموي قادرة على تقديم القروض الاستثمارية طويلة الأجل وتمويل المشروعات الإنتاجية.

– الشمول المالي والتحول الرقمي:
يعد ضعف الشمول المالي أحد أبرز التحديات التي تواجه النظام المالي السوري.

فعلى سبيل المثال، يوجد في لبنان نحو 60 مصرفاً مقابل 14 مصرفاً خاصاً فقط في سوريا رغم التفاوت النسبي في عدد السكان بين البلدين.

كما أن النظام المصرفي السوري ما يزال متأخراً في مجال التحول الرقمي والخدمات المصرفية الرقمية.

ويمثل تطوير الاقتصاد الرقمي والتحول التدريجي نحو الخدمات المصرفية الرقمية أحد المسارات المهمة لتعزيز الشمول المالي وتوسيع قاعدة العملاء.

كما يمكن أن يسهم تحسين السيولة داخل النظام المصرفي في دعم نمو قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة الذي يمثل العمود الفقري للاقتصادات الخارجة من الصراعات.

– السيناريوهات المحتملة لمستقبل النظام المالي السوري:
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتطور النظام المالي السوري.

• السيناريو الأول: استمرار النموذج المالي القائم:
يقوم هذا السيناريو على استمرار البنية الحالية للنظام المالي مع إدخال تعديلات محدودة، ما يعني بقاء القطاع المصرفي في دور محدود يقتصر على إدارة السيولة وتنفيذ العمليات التجارية التقليدية.

• السيناريو الثاني: إصلاح تدريجي محدود:
يقوم هذا السيناريو على تنفيذ إصلاحات تدريجية تشمل تحسين البيئة التنظيمية وتوسيع دور المصارف الخاصة وتطوير بعض أدوات التمويل.

• السيناريو الثالث: إصلاح مؤسسي شامل:
يقوم هذا السيناريو على إعادة هيكلة عميقة للنظام المالي تشمل تعزيز استقلالية البنك المركزي، وإصلاح المصارف العامة، وتطوير أدوات التمويل والاستثمار، وتعزيز الشمول المالي.

الخلاصات:

**تشير القراءة المؤسسية للنظام المالي السوري إلى أن ضعف دور المصارف في تمويل الاقتصاد ليس نتيجة مباشرة للحرب فقط، بل يعكس مساراً تاريخياً طويلاً من تطور النظام المصرفي ضمن نموذج اقتصادي شديد المركزية. وقد أدى هذا المسار إلى انخفاض مؤشرات الائتمان المصرفي والودائع والأصول المصرفية مقارنة بالاقتصادات الإقليمية.

**أدى التضخم والانكماش الاقتصادي إلى تآكل القاعدة الرأسمالية للمصارف وارتفاع النقد المتداول خارج النظام المصرفي.

** إعادة بناء الاقتصاد السوري تتطلب إصلاحاً مؤسسياً يعزز استقلالية البنك المركزي ويحد من التدخل السياسي المباشر في السياسة النقدية.

**يتطلب تحويل القطاع المصرفي إلى محرك للتنمية الاقتصادية عبر تطوير أدوات التمويل طويلة الأجل وتعزيز الشمول المالي والتحول الرقمي.

وبدون هذا التحول المؤسسي، سيظل الاقتصاد السوري يعتمد على نظام مالي ضعيف الوساطة المالية، ما يحد من قدرته على تمويل إعادة الإعمار وتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.