إرتريا: الطريق الصعب نحو الدولة الطبيعية
ورقة سياسات: علي الهندي
شهد الأسبوع الأخير من حزيران 2018، انعطافة سياسية مهمة في العلاقة بين اثيوبيا وجارتها ارتريا، بعد حالة “لا حرب ولا سلام” منذ نهاية حرب حدودية استمرت عامين خلفت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى. فقد اسفرت الجهود الإماراتية المكثفة عن بداية تطبيع اولي في العلاقات المتوترة منذ عقود. بالزيارة المفاجئة التي اداها عثمان صالح، وزير خارجية إريتريا، ويماني جبريب ، أحد أقرب مستشاري الرئيس أسياس أفورقي للعاصمة الاثيوبية اديس ابابا ، وكان على راس المستقبلين احمد أبي رئيس الوزراء الاثيوبي الجديد ، الذي افتتح عهده بعرض غير متوقع لإنهاء الصراع بين البلدين . رفع الاجتماع الآمال في وضع نهاية لواحدة من أطول النزاعات الثنائية في أفريقيا، والتي تركت اثارها على الوضع في القرن الافريقي وفتحت الأبواب لتدخلات وتصفية حسابات إقليمية ودولية. امام هذه التطورات المهمة ينطرح السؤال الجوهري؛ الى أي حد يمكن الوثوق بنظام اسياس افورقي الذي يحكم بلاده بالحديد والنار بحجة الخطر الاثيوبي.
في خلفيات الصراع
في مايو/أيار عام 1991دخلت قوات الجبهة الديمقراطية لشعوب اثيوبيا اديس ابابا و انهت بذلك حكم العسكر او الدرق كما كان يسمي والذي استمر منذ العام 1974وهو عام الانقلاب الذي قاده الجيش ضد النظام الملكي.
لكن المفارقة في ان قوات الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا دخلت في ذات الوقت ، أسمره العاصمة المنتظرة للدولة الوليدة بعد ان قامت بطرد الجيش الاثيوبي من كامل التراب الارتري. انطلقت على إثرها مفاوضات لندن التي اسفرت عن قناعة بان انفصال ارتريا عن اثيوبيا اصبح واقعا لا عودة عنه.
وعليه لم يعد السؤال حول مستقبل العلاقة بين الدولتين ، بل بين الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا وجبهة تحرير تجراي الطرف الأقوى في تحالف الحكم في اثيوبيا آنذاك ، وذلك لأن العلاقة بينهما كانت حافلة بالتباينات والضغائن التاريخية التي خيل للبعض انه تم طيها باستقلال ارتريا ، لكنها أسست لخلاف مرير كان عنوانه الأبرز ،نزاع الحدودي.
مع اشتعال الحرب بين البلدين في العام1998، تدخل وسطاء دوليون واقليميون لفض الاشتباك ، لكنهم وصلوا الى خلاصة ؛ ان اسباب الحرب ليست نزاعا على منطقة بادمي الحدودية ، وأن ثمة خلفيات جوهرية تمتد طويلا في تاريخ العلاقة بين قوى ثورية تشاركت في العداء لنظام الإمبراطور هيلاسيلاسي والانقلاب الماركسي بقيادة منغستو مريام.
فالتحالف والمشاركة في الانقلاب على النظام الملكي أ اسفر أيضا عن الغاء دور جبهة التحرير الارترية وسيطرة التجرنيا علي ارتريا والتيجراي علي اثيوبيا والقضاء علي دور قومية الامهرا في إدارة البلاد . ولهذا اعتبرت اسمرة انها السبب في تمكين التيجراي من السلطة في اديس ابابا . وفرت النخبة الجديدة فرصاً أفضل لإدارة الشأن الاثيوبي تحت مظلة مشروع جبهة (الإهودق) وأوجدت مناخ شراكة للشعوب الاثيوبية تحت النظام الفدرالي الاثني وإقرارها حق تقرير المصير للقوميات ، إلا أن التعامل مع الملف الارتري ظل شائكا ومتوترا ، إذ سعت اثيوبيا لخلق حليف مؤثر من أبناء التجرنيا الارتريين بالمبادرة في إرجاع الممتلكات التي صودرت من الارتريين إبان أزمة الحرب الأخيرة، ثم توفير فرص دراسية لأبناء التجرنيا الارتريين في جامعة أديس والجامعات الاثيوبية الأخرى. في ذات الوقت الذي تجاهلت فيه ممثلو البلاد السياسيين والاجتماعيين وتوجيه الاهتمام نحو التنظيمات الشبابية التي يسيطر علي غالبيتها شباب التجرنيا أو الموالين لاثيوبيا ، لكن هذه السياسة زادت من مخاوف نظام اسمرة ، وبات السفر الى اديس ابابا تهمة تستدعي الاعتقال ووصم الخيانة ، فيما استمرت الدعاية الاثيوبية تتهم اسمرة باتباع سياسات تلحق اضرارا بالاقتصاد والامن القومي الاثيوبي.
دخل الرئيس الارتري بعد نهاية الحرب عام الفين حالة من العزلة داخليا وخارجيا؛ ففي الداخل كان هذا العام هو النهاية الفعلية لحزب الجبهة الشعبية والذي سمي فيما بعد بالجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة وحل محله تدريجيا، منظومة أمنية وإدارية عصبها الأساس من التيغرينا، بات الرئيس افروقي يحكم من خلالها وهي عبارة عن مجموعة من الوزراء وموظفي الخدمة المدنية والأمنية، تخلص من المعارضين داخل الحزب والدولة بالإعدام والبطش والابعاد ومستفيدا من تركيبة المؤسسة الامنية التي يمسك بكل مفاتيحها.
تبدو الصورة قاتمة لمستقبل ارتريا في ظل غياب دور مؤسسات الدولة والبرلمان وبعد ان زج الرئيس في السجون عدد من كبار السن (ممثلي القبائل والقوميات) والذي سعو للوساطة في قضايا الاختفاء القسري او الاعتقال التعسفي دون محاكمة ومصادرة الاملاك منهيا بذلك دور سلطة تقليدية لعبت دورا في حل المشاكل على مدار التاريخ.
استخدم افروقي ما يسمى بالتهديد الأمني الذي تشكله إثيوبيا لتبرير قيام نظام أمنى لا مثيل له في القمع ومصادرة الحريات والترهيب: فالخدمة العسكرية مدى الحياة والاعتقال المستمر لسنوات دون محاكمة أمر شائع، ولا توجد وسائل إعلام مستقلة والجامعات مغلقة، ومعدلات الفقر والبطالة هي الأعلى في افريقيا.
تحولات اثيوبيا، هل تجبر ارتريا على الانفتاح
كلمة السر في الانفراج، أطلقها رئيس الحكومة الاثيوبية احمد ابي، باستعداد بلاده العودة الى اتفاق الجزائر الموقعة في ديسمبر عام 2000لوقف الاعمال العدائية وتسوية الخلافات الحدودية، الذي ينطوي على الانسحاب من المنطقة المتنازع عليها.
السؤال الأهم برأي العديد من المراقبين ما إذا كان أسياس افورقي جادا في الانفتاح على اديس ابابا، وفي طي صفحة النزاع المستمر والذي شكل له على الدوام سببا وذريعة لاستمرار نظامه المتفرد عالميا في قمعه وارهابه الداخلي منذ خمسة وعشرين عاما. في قراءة لدوافع الانفتاح من الجانب الارتري ، يقف التحول الذي وقع في الجارة اثيوبيا بصعود ابي احمد على راس الحكومة وبداية انهاء تفرد اقلية التيجراي بالسلطة والثروة في البلاد والتي استخدمت أيضا الخطر الارتري كذريعة لاستمرار نظام سلطوي قمعي . فالحكومة الجديدة، وعدت بتدشين حقبة تصفير المشاكل مع الجوار والاقليم بدءا من ارتيريا وليس انتهاء بحل الازمة مع مصر على خلفية النزاع على الحقوق المائية في نهر النيل وبناء سد النهضة. لقد وجدت هذه الروح الجديدة التي أطلقت من اديس ابابا صدى واضحا في اسمرة، اذ لا يمكن لديكتاتورها المخضرم ان يبقي على عزلة بلاده عن العالم وضغوط متزايدة من الجاليات الارترية المهاجرة في الغرب والتي تزداد تنظيما وقوة وتنظم الحملات الدائمة للاحتجاج على ممارسات النظام غير الانسانية. ولم تعد المنظمات الدولية قادرة على رصد حالة البلاد بعد منعها بصورة مشددة من العمل او زيارة البلاد، وتمتنع الشركات والبنوك الدولية عن فتح فروع لها في اسمرة منذ سنوات، بسبب تعقيدات فرضتها الحكومة على نشاط الأجانب، والقبضة الأمنية المشددة على المواطنين، ولم يصدر صندوق النقد الدولي تقريراً عن إريتريا لأكثر من سبع سنوات بسبب “نقص المعلومات الكافية”. ولهذا لا تبدو التوقعات المتفائلة في تحول سريع في طبيعة الحكم الارتيري واقعية، فالتحليلات التي تتناول هذه الحالة تميل الى الحذر الشديد بانتظار الفترة القادمة. وفيما يبدو ان حالة الانهاك والدمار الاقتصادي وتواصل معدلات الهجرة العالية، قد تدفع ما تبقى من العناصر الإصلاحية المحيطة بالرئيس الى استغلال الفرصة التاريخية التي فتحها التحول الاثيوبي بقيادة احمد ابي، والانفتاح على حلول اقتصادية تعود بالنفع المشترك على البلدين، خاصة مع الحاجة الاثيوبية الماسة لمنفذ بحري قريب، يشكل ميناء عصب الإرتيري أحد أوجه التعاون المشترك.
وعلى النقيض، يقف عامل اخر قد يغري افورقي بتجنب الانفتاح، والاستمرار في حكمه التسلطي، بالعودة الى خصوم الامس، الدولة الاثيوبية العميقة التي يمسك بخيوطها حزب قومية التيجراي الذي ازيح عن السلطة سلما، وبدا رئيس الحكومة الجديد في تفكيك منظومته الأمنية وتحكمه بالسلطة والثروة، علما ان اقلية التيجراي تعيش في المناطق الحدودية التي ظلت منطقة نزاع دائم وتسبب في الحرب الدموية بحصيلة سبعين الف قتيل. وهي ذات المنطقة المستهدفة بالحل في اطار اتفاق الجزائر.
الخلاصة:
– إن انفراد نخبة التجرنيا بزعامة افروقي بالسلطة في ارتريا وتهميش باقي المكونات العرقية واقصاء كل الحركات التي شاركت في معركة الاستقلال بما فيها كوادر الجبهة الشعبية ، ادخل البلاد في أزمة وجودية لا مخرج منها سوى انفراط عقد الدولة وتمزق الكيان الارتري الامر الذي يهدد القرن الافريقي برمته وكذلك أمن البحر الأحمر الذي يتجاوز تهديده الاقليم الي الأمن الدولي خاصةً في ظل الزلزال الذي تعيشه المنطقة العربية وانتشار موجة الإرهاب العابر للحدود .هنا يمكن لجهود خارجية ان تساعد اولا في مصالحات داخلية إريترية من القيادات والنخب السابقة ، لإعطاء الثقة في عملية التحول.
– لا تبدو المصالح الموضوعية ولا اللغة الايجابية التصالحية التي تحدث بها رئيس الحكومة الاثيوبية بكافية للحديث عن حل تاريخي ارهق البلدين ومنطقة القرن الافريقي، فالعامل الإقليمي والدولي يملك العوامل والأدوات المرجحة للمساعدة في اقناع أسياس افورقي بتحويل بلاده الى دولة طبيعية والانفتاح على العالم الخارجي. هنا تأتي أهمية الضغط الاثيوبي والإقليمي الخليجي من اجل الحفاظ على ارتيريا كدولة لكل مواطنيها وانهاء التفرد التغريني بالسلطة والثروة، وإعادة الثقة في عملية إنقاذ مشروع الدولة الذي بات قريبا من الانهيار.
– من الاهمية بمكان ادراك صانع القرار العربي والخليجي تحديدا ان ارتريا واثيوبيا لهما أهمية استراتيجية في أولويات الامن القومي العربي وأمن دول البحر الأحمر ، فالاستثمار الذكي في تطبيع علاقات البلدين ، بالمشاريع الاقتصادية وتوسيع التبادل التجاري يرتدي أهمية خاصة واستراتيجية ، ويقطع الطريق على القوى الطامحة بتفكيك المنطقة والاستيلاء على ثرواتها واسواقها ، انطلاقا من خاصرتها الافريقية القريبة.
*باحث مشارك خبير في شؤون القرن الأفريقي