إدارة ترامب: إرباك متعدد الجبهات لنتنياهو

أمير مخول — مركز تقدم للسياسات

تقديم:
صرّح الرئيس ترامب في العشرين من مايو 2025 بأنه على تواصل يومي ومكثف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مضيفاً أن نتنياهو سينفذ كل ما يريده الرئيس الأمريكي. وفي السياق ذاته، أعلن قائد الأركان الإسرائيلي أن الجيش في حالة جهوزية عليا للقيام بتجديد الحرب ضد إيران. وقد تناقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية بشكل موسّع مسألة ما وصفته بتأجيل ترامب موعد الحرب التي كان مزمعاً أن تبدأ في التاسع عشر من مايو، فيما انتقل الإعلام الإسرائيلي والدولي إلى التمحور حول حجم التوتر بين ترامب ونتنياهو إزاء توجه الرئيس الأمريكي نحو تفضيل خيار الحل السياسي على الخيار العسكري. وقد تمحورت اهتمامات وسائل الإعلام كذلك حول تصريح ترامب بتأجيل الضربة على إيران بعد أن طلبت كل من المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة ذلك.

أولاً: القراءة :
الجيش الإسرائيلي والمستوى السياسي: خلاف مهني عميق.
خلافاً للمستوى السياسي الإسرائيلي، تشهد المؤسسة العسكرية والمنظومة الأمنية نقاشاً مهنياً خلافياً جدياً حول الإنجازات التي يمكن أن تحققها العودة إلى الحرب المكثفة مع إيران. وتدور هذه الخلافات في التقديرات حول القدرة على تقويض النظام الإيراني وإخراج مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب. وبحسب الجيش الإسرائيلي، فإنه لم يُطلَع على وجود نوايا أمريكية بتوجيه ضربة لإيران في التاسع عشر من مايو، بل أشار إلى أن المستوى السياسي قد يكون مطّلعاً على القرار الأمريكي، في حين لم تصل الجيش أي توجيهات تتعلق بالضربة الأمريكية التي أُلغيت.

توتر ترامب-نتنياهو: قراءة الأوساط السياسية الإسرائيلية:
تقدّر الأوساط السياسية الإسرائيلية المختلفة أن إغداق ترامب المديح على شخص نتنياهو، ووصفه بأنه قوي وسينفذ كل ما يريده، هو في حقيقته تعبير عن التوتر الذي ساد الحديث بينهما، وليس بالضرورة دلالة على عمق التفاهم. كما أن الاتصالات المكثفة بين الطرفين في الأيام الأخيرة تعزز هذه القراءة. ويسعى نتنياهو إلى زيارة عاجلة إلى واشنطن بهدف الحيلولة دون التوصل إلى اتفاق إطار أمريكي-إيراني تدفع إليه مساعي الوسطاء الإقليميين.

وفي المقابل، ثمة محركان آخران للقرار الأمريكي يستحقان الرصد؛ أولهما الرأي العام داخل الحزب الجمهوري الذي يتحول إلى صراع مكشوف وصدامي مع تيار “أمريكا أولاً”، وقد عبّر عنه الإعلامي تاكر كارلسون، أحد أشد المؤثرين على الرأي العام الجمهوري، بوصفه نتنياهو بأنه يقود إلى الخراب وأن إسرائيل تجرّ الولايات المتحدة إلى الحرب. وثانيهما التقدير الأمريكي بأن هدف إسقاط النظام الإيراني في حرب متجددة بعيد المنال، وكذلك الحال بالنسبة إلى السعي لإخراج مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب.

التقدير العسكري الأمريكي: تقاطع مع الجيش الإسرائيلي وتعارض مع نتنياهو:
يختلف التقدير العسكري الأمريكي مع غايات نتنياهو، بينما يلتقي مع تقديرات الجيش الإسرائيلي. وتفيد التقديرات العسكرية بأن إقدام الولايات المتحدة على تجديد الحرب المكثفة على إيران، حتى وإن وُصفت بـ”الضربة المحدودة النطاق”، ستجد إسرائيل نفسها في قلب المعركة الأكثر استنزافاً، كما جرى في الجولة السابقة. ويقوم هذا التقدير على مبدأ راسخ مفاده أن من يحدد نطاق المواجهة ليس الطرف المبادر إليها، بل طبيعة الرد الإيراني الذي يؤكد المحللون أنه سيتجاوز حدود المنطقة.

ثانياً: الملف اللبناني
لا يتوقف قلق نتنياهو عند الحرب المباشرة مع إيران، بل يمتد إلى تداعياتها الإقليمية وتداعيات الموقف الأمريكي المائل نحو تفضيل الحل السياسي على الخيار العسكري الذي لا تزال مخاطره كبيرة. والملف اللبناني يستحوذ على منسوب أكبر من القلق في الرأي العام الإسرائيلي، ولا سيما لدى سكان المناطق الحدودية مع لبنان، كما أن له إسقاطات مباشرة على المشهد الانتخابي للكنيست الإسرائيلي.

تسعى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى تقدير أثر الحرب على إيران في حال تجددت على مسار الحرب في لبنان، وكيف سيؤثر ذلك على التفاهمات المرحلية مع لبنان. بل يطالب الجيش المستوى السياسي بتحديد هذه المعطيات، إذ من شأن ذلك أن يُتيح للجيش توسيع نطاق عملياته في لبنان. ويرى الجيش أن اعتبارات المستوى السياسي، الخاضعة لحدود القرار الأمريكي بوقف إطلاق النار والامتناع عن استهداف بيروت والبقاع، تحدّ من قدرته على التحرك باتجاه شمال نهر الليطاني وتجعل يديه مقيدتين. ووفق وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن حرب الاستنزاف تتكثف، ومن أبرز مؤشرات ذلك تصاعد وتيرة الإصابات في صفوف الجيش.

ويخشى المستويان السياسي والعسكري معاً من أن تجدد الحرب مع إيران سينعكس تكثيفاً في الجبهة الشمالية مع لبنان والجبهة الجنوبية مع اليمن، إضافة إلى التحدي الأكبر المتمثل في الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى وعودة الجبهة الداخلية إلى حالة الحرب. كما قد تُوسّع تداعيات الكشف عن وجود عسكري إسرائيلي سري في العراق تحت مظلة القوات الأمريكية ساحات المواجهة في حال تجددت الحرب.

أما الملف المُقلق الآخر بالنسبة إلى نتنياهو، فهو أن الحرب مع حزب الله والإذعان للقرار الأمريكي بوقف إطلاق النار قد يؤثران سلباً على وضعيته الانتخابية التي يرى فيها غاية بالغة الأهمية. فيما قد يهدد المنحى الأمريكي المربك له ولخياراته بقاءه في الحكم. يُضاف إلى ذلك أن إحجام إدارة ترامب عن شنّ الحرب على إيران من شأنه أن يسحب البساط من تحت مخطط محتمل لنتنياهو يقضي بإلغاء الانتخابات بذريعة الحالة الأمنية.

الخلاصات:
**يساور رئيس الوزراء الإسرائيلي قلق عميق من التوجه الأمريكي الذي تتكاثر المؤشرات على أنه سيميل نحو الأفق السياسي في الملف الإيراني. وفي حال تحقق ذلك، سيجد نتنياهو نفسه في معضلة يمكن وصفها بأنها متعددة الجبهات، إقليمياً وداخلياً وسياسياً في آنٍ معاً.
**سيدفع المسار السياسي فعلياً نحو التهدئة الإقليمية على كل الجبهات، وهو ما يمثّل في الوقت ذاته المطلب العربي والإقليمي والدولي، ويخدم المصالح المعنية بضمان الممرات الآمنة لإمدادات الطاقة، والحيلولة دون اندلاع سباق تسلح نووي إقليمي خارج عن السيطرة.
**تعد الجبهة اللبنانية مسألة مصيرية بالنسبة لنتنياهو سياسياً، ولا تبدو قابلة للحسم إلا عبر المسار السياسي. وانطلاقاً من رؤيته العملياتية بانتفاء إمكانية إسقاط النظام الإيراني وإخراج مخزون اليورانيوم المخصب، يعمل الجيش الإسرائيلي على تحميل المستوى السياسي المسؤولية وعدم إتاحة المجال له لإلقاء تبعاتها على المؤسسة العسكرية. ويتكرر هذا النمط من الروايات المتناقضة بين الجيش والمستوى السياسي، وتحديداً فيما يخص الملفين اللبناني والإيراني.
**إقليميا”، يشهد المشهد تعزيزاً ملحوظاً لقدرات دول المنطقة على التأثير في القرار الأمريكي، تجلّى في الأيام الأخيرة من خلال المبادرة السعودية-القطرية المدعومة مصرياً وتركياً. وعقب زيارة ترامب إلى الصين، يمكن ملاحظة حالة من التهدئة في مضيق هرمز، مما قد يُشير إلى اتجاه دولي نحو التهدئة الشاملة وإيجاد مخرج دبلوماسي لملف المضيق وطرق إمدادات الطاقة.
في المحصلة: لا تزال مخاطر الانزلاق نحو تجديد الحرب قائمة وجدية، غير أن احتمالاتها تبقى محدودة في ظل المعطيات الراهنة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.