أي دور متميز تلعبه مصر في ملف لبنان؟
د. محمد قواص — مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف:
تقديم: رغم أن مصر لم تنخرط مباشرة في الصراعات في لبنان وحوله، فإنها استُدعيت لتكون جزءاً من اللجنة الخماسية، وتضطلع بأدوار وساطة وتحمل مبادرات تستهدف التسويات الداخلية، لا سيما في ملف سلاح حزب الله ودعم المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية وإنهاء الحرب. فما هي قواعد الدور المصري وأدواته، وأين يتقاطع مع الأدوار الأخرى أو يتباين معها؟
أولاً: المعطيات
– شهدت الأشهر الأخيرة تحركاً مصرياً ملحوظاً على الملف اللبناني تجلّى في محطات متعددة. ففي أغسطس 2025، طرحت مصر ورقة لمعالجة ملف سلاح حزب الله قائمة على تأجيل البت في نزع السلاح الكامل تجنّباً للتصعيد الداخلي، مع التركيز على مرحلتين: الأولى جنوب الليطاني التي أُنجزت بنهاية 2025، والثانية في الشمال التي مُنح الجيش أربعة أشهر لتنفيذها اعتباراً من فبراير 2026. وأكدت الورقة على حصر السلاح بيد الدولة بوصفه مبدأً سيادياً، مع تواصل مباشر مع حزب الله لتشجيعه على الاندماج، وضمانات أمنية واقتصادية دولية.
– في نوفمبر 2025، قدّمت القاهرة مبادرة للتسوية تضمّنت هدنةً وانسحاباً إسرائيلياً، مع تواصل أمني مباشر مع حزب الله في بيروت.
– في فبراير 2026، استضافت القاهرة اجتماعاً تحضيرياً لمؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني، دعا فيه وزير الخارجية بدر عبد العاطي المجتمعَ الدولي إلى تعزيز قدرات الجيش لاستكمال خطة حصر السلاح بيد الدولة، مشيداً بإنجاز المرحلة الأولى جنوب الليطاني.
– في أبريل 2026، كثّفت القاهرة جهودها الدبلوماسية لدعم تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، مطالبةً بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف الانتهاكات، فيما استعرض الرئيس السيسي مع نظيره اللبناني جوزيف عون مسار المفاوضات المباشرة برعاية أمريكية، مشدداً على ضرورة تسوية سلمية عادلة تصون سيادة لبنان ووحدة أراضيه.
– تشارك مصر في اللجنة الخماسية – الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر ومصر – منذ إطلاقها، مما يتيح لها تنسيق الجهود الدولية لدعم المؤسسات اللبنانية وتنفيذ القرار 1701. وتستند القاهرة في تحركها اللبناني إلى علاقاتها العربية وتحديداً مع السعودية والخليج، وعلاقاتها الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا، وعلاقاتها الأمريكية، وكلها تمنحها نفوذاً في الضغط على إسرائيل للانسحاب، إضافةً إلى علاقات متوازنة مع إيران مع رفض صريح للنفوذ غير السيادي.
– على صعيد الموقف المصري التفصيلي من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، تتضمن المواقف المصرية جملةً من الثوابت التي تنقلها مصادر دبلوماسية:
• ضرورة أن تنطلق المفاوضات من وحدة الموقف الداخلي اللبناني لما لذلك من مفاعيل في حماية لبنان وتعزيز موقعه التفاوضي. ودعم القاهرة الكامل للمسار اللبناني عبر دعم قرار الحكومة بالانخراط في المفاوضات لاستعادة حقوقها كاملة، مع تأكيد أن هذا المسار سيحظى بدعم كل أصدقاء لبنان.
• اعتبار الأولوية القصوى وقفَ إطلاق النار الكامل والدائم قبل أي خطوات أخرى، وهو موقف يلتقي مع شروط الرئيس عون للشروع بالمفاوضات. والنصح ببذل جهد كبير على الجبهة الداخلية لتحصينها وبلورة موقف موحد قبل تحديد شكل التفاوض أو مستواه.
• الدعوة إلى استثمار الانخراط الأمريكي المباشر في الملف اللبناني بوصفه فرصة يجب استغلالها لتقليل العقبات. وإبداء الثقة بقيادة عون وسلام وبري على حماية المصلحة الوطنية وعدم الانجرار إلى خيارات تضر بلبنان أو بالإجماع العربي.
• التأكيد على أن الهدف الواضح هو أن تكون الدولة اللبنانية وحدها صاحبة القرار والسيطرة على السلاح عبر الحوار والتفاهم لا عبر الخيارات العسكرية القسرية.
– تقوم الرؤية المصرية على أن تطبيق حصرية السلاح يجب أن يكون عبر خطة واقعية وقابلة للتطبيق. والدعوة إلى البناء على تجربة جنوب الليطاني وتطويرها لتكون أساساً لتطبيق حصرية السلاح في المرحلة المقبلة.
– والتوافق مع الموقف السعودي في الثوابت الرئيسية – بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها – رغم اختلاف الصياغة بين “الاستيعاب” المصري و”النزع” السعودي.
– وإدراك ارتباط المسار التفاوضي اللبناني بالمفاوضات الأمريكية–الإيرانية مع دعم استقلالية القرار اللبناني. والاستناد إلى التجربة المصرية الطويلة مع إسرائيل لتقديم آراء مفيدة لا “تحذيرات”. والنصح بجذب الدعم الأمريكي من خلال تقديم أفكار منطقية وقابلة للتنفيذ تستدرج ضمانات أمريكية قوية لإنهاء الحرب.
وتجدر الإشارة إلى أن منابر قريبة من حزب الله نشرت ما وصفته بنصائح مصرية تدعو لبنان إلى عدم الاندفاع في مسار التفاوض المباشر، دون أي تأكيد رسمي من الجانبين المصري أو اللبناني، مما أوحى بأن الحزب يوظّف هذه الأفكار لخدمة موقفه.
ثانياً: التحليل
يتّسم الدور المصري في الملف اللبناني ببراغماتية مدروسة، إذ تنتهج القاهرة نهج الوسيط المقبول الذي لا يحمل أعباء طرف في الصراع. ويرى خبراء في الشؤون المصرية أن دور القاهرة يعتمد على مبادئ راسخة: سيادة الدولة، وحصر السلاح ورفض نموذج “الدويلة”، والحل السياسي والوساطة، والتوازن بين الأمن والاستقرار، والدعم الإنساني المباشر. ويتميّز هذا الدور بالبراغماتية، كون مصر ليست طرفاً مباشراً في الصراع، لكن مكانتها العربية وخبرتها الإقليمية تجعلها وسيطاً مقبولاً لدى أطراف متعددة ومتباينة.
وتتمحور المقاربة المصرية لمعالجة ملف سلاح حزب الله على الحوار والمراحل التدريجية بدلاً من المواجهة، في توافق جوهري مع الموقف السعودي لجهة حصرية السلاح بيد الدولة وإدانة نموذج الدويلة، وإن كان ثمة فارق في الصياغة إذ تستخدم مصر مصطلح “الاستيعاب” في مقابل “النزع” في الخطاب السعودي، مما يعكس حساسية مصرية إزاء التداعيات الداخلية لأي مواجهة مبكرة.
وتستثمر مصر علاقاتها المتوازنة مع إيران بوصفها ورقة دبلوماسية فارقة، إذ قد توفر هذه العلاقات إمكانات جذب طهران نحو مواقف أكثر مرونة في مسائل الحرب والسلم وملف سلاح الحزب، وهو ما يميّزها عن سائر أعضاء اللجنة الخماسية. غير أن الدور المصري يصطدم بحدود واضحة؛ فمبادرة أغسطس 2025 بقيت في فضاء النوايا الحسنة دون أن تحظى باحتضان جدي من الأطراف الداخلية أو القوى الخارجية المعنية. كما أن توظيف حزب الله للمواقف المصرية لتبرير تحفظاته يكشف عن هشاشة موقف الوسيط حين تتباين القراءات وتتعارض المصالح.
الخلاصة:
**رغم وجود أدوار مباشرة للولايات المتحدة وفرنسا وقطر والسعودية في الملف اللبناني، فإن وجود مصر في اللجنة الخماسية جاء استعانةً بمكانتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية الواسعة.
**تستند القاهرة إلى مقاربة تأخذ بعين الاعتبار علاقاتها المتوازنة مع إيران لتقديم ورقة “استيعاب” سلاح الحزب ونقل حصريته إلى الدولة اللبنانية عبر الحوار لا القوة، ووفق أجندة مراحل واضحة. **تتقاطع المقاربتان المصرية والسعودية في مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة وإدانة الدويلات، وتتباينان في الصياغة بين “الاستيعاب” و”النزع”. وقد دعمت مصر قرار لبنان التفاوض المباشر مع إسرائيل، وأكدت أهمية التوصل إلى توافق داخلي يقوي أوراق لبنان التفاوضية، وحثّت بيروت على استثمار الزخم الأمريكي عبر تقديم مبادرات وأفكار بناءة تدفع واشنطن إلى توفير ضمانات لإنهاء الحرب. و
خلاصة التقدير أن مصر تلعب دوراً لا يمكن الاستغناء عنه في تركيبة الوساطة الدولية، لكنه يبقى دوراً مكمّلاً لا محرّكاً رئيسياً، رهينُ فاعليتِه بالإرادة اللبنانية الداخلية ومدى انخراط القوى الكبرى في دعم المسار.