أين باكستان من التزامها الدفاعي مع السعودية؟

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات.

تقدير موقف:
تقديم: يتعرّض اتفاق الدفاع الاستراتيجي بين باكستان والسعودية لأول اختبار في أعقاب تعرّض المملكة لقصف الصواريخ والمسيرات الإيرانية. وفيما لا يُظهر البلدان أي علامات بشأن تفعيل الاتفاق، بجري التساؤل بشأن احتمال وجود حرج لدى باكستان من التدخل في نزاع يجعلها منحازة بما قد يؤثر على علاقاتها ومصالحها الجيوستراتيجية مع إيران.

في المعطيات:
-في 12 مارس 2026، قام رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بزيارة قصيرة إلى السعودية التقى خلالها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ورافق شريف نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار، وقائد الجيش المشير عاصم منير (الذي يشغل أيضاً منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة).
-في 11 مارس 2026، أي قبل الزيارة بيوم واحد، قال المتحدث باسم رئيس الوزراء مشرف زيدي لـ Bloomberg: “سنكون هناك في السعودية قبل أن تحتاج إلينا… لا سؤال في ذلك، سنكون موجودين مهما كان الأمر ومتى كان”.

-في 7 مارس 2026، زار المشير عاصم منير الرياض والتقى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان. ناقشا “خطورة الوضع الأمني الناتج عن الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ على المملكة”، و”التدابير اللازمة لوقفها” ضمن إطار اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك (SMDA)، مع دعوة لإيران إلى “الحكمة وتجنب الحسابات الخاطئة”.
-في 6 مارس 2026، تحدثت تقارير عن جهود باكستان الدبلوماسية المكثفة كوسيط، مع “اتصالات مكوكية” من وزير الخارجية إسحاق دار بين طهران والرياض، بهدف احتواء التصعيد.

-في 4 مارس 2026، قال إسحاق دار (نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية) أمام مجلس الشيوخ وفي مؤتمر صحفي: “ذكّرت القيادة الإيرانية باتفاق الدفاع مع السعودية… الجميع يعرف هذا الاتفاق السيادي، وطلبنا منهم أخذه بعين الاعتبار”.
-أكد أنه نقل تطمينات سعودية لإيران بعدم استخدام أراضيها ضد طهران، مشيراً إلى أن رد إيران على السعودية كان “أقل حدة” مقارنة بدول الخليج الأخرى بفضل هذه الجهود.

-في 1 مارس 2026، أدان مندوب باكستان في مجلس الأمن الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية كـ”انتهاك للقانون الدولي” وحذر من “حريق إقليمي”، مع دعوة للتهدئة والعودة للدبلوماسية.

-في 1-مارس 2026، قتل 8 أشخاص جراء مواجهات اندلعت بين قوات الأمن الباكستانية ومحتجين حاولوا اقتحام قنصلية واشنطن في كراتشي، تنديدا بالهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران
-في 28 فبراير 2026، أي يوم بدء الحرب على إيران، صدر بيان رسمي من وزارة الخارجية الباكستانية يدين “الهجمات غير المبررة” الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وفي الوقت ذاته يدين بشدة الرد الإيراني على دول الخليج (بما فيها السعودية) ويصفه بـ”انتهاك صارخ للسيادة”، مع التضامن الكامل مع “الدول الشقيقة” في الخليج ودعوة لأقصى درجات ضبط النفس.

-يرى خبراء في الشؤون الباكستانية أن موقف إسلام أباد يتسم بازدواجية محسوبة:
1. من جهة، تحافظ باكستان على خطاب عام محايد نسبيا يدين “العدوان” الأولي على إيران.
2. من جهة أخرى، تتجه السياسة الفعلية لباكستان نحو حماية المصلحة السعودية بشكل واضح.
– يضيف الخبراء أن الاتفاق الدفاعي لعام 2025 (ينص على أن “أي عدوان على إحدى الدولتين يُعد عدواناً على الأخرى”) أعطى الرياض ورقة ضغط قوية، وأصبح أداة دبلوماسية باكستانية لردع إيران جزئياً، وأن تحذير وزير خارجية باكستان لإيران هو إشارة علنية نادرة بتفعيل مبدأ الردع.

-يحذّر مراقبون في باكستان من أنه إذا طلبت الرياض تفعيلاً عسكرياً صريحاً للاتفاق، فإن باكستان ستجد نفسها أمام خيارين:
1. المشاركة (ولو رمزياً أو لوجستياً) مما يهدد استقرار حدودها الغربية ويثير توترات طائفية داخلية.
2.التراجع مما يضر بمصداقيتها لدى السعودية (التي تقدم دعماً مالياً حاسماً لباكستان) ولدى حلفاء الخليج عموماً.
-تذكّر مراجع بالانخراط السعودي في البرنامج النووي الباكستاني وتذكر أنه في عام 1998، عندما قررت حكومة رئيس الوزراء الباكستاني آنذاك نواز شريف إجراء تجاربها النووية في مواجهة عقوبات غربية متوقعة، قدمت السعودية دعمت اقتصاديا مهما تمثل في تزويد باكستان بنحو 50 ألف برميل من النفط يوميًا مجانا للتخفيف من آثار العقوبات.

-تذكر نفس المراجع أيضا أنه في عام 2015 عندما أطلقت السعودية والإمارات حملة جوية ضد الحوثيين في اليمن صوّت البرلمان الباكستاني ضد المشاركة في العمليات العسكرية. وقد أثار هذا القرار ردود فعل حادة في الخليج اعتبرت بأن طهران “تبدو أكثر أهمية لإسلام آباد من الدول الخليجية.
-تعتبر مصادر دبلوماسية أن الاستراتيجية الباكستانية حتى الآن (13 مارس 2026) تبدو ناجحة نسبياً في احتواء التصعيد دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

-تضيف أنه مع استمرار الحرب وارتفاع أسعار النفط وتداعياته الاقتصادية على باكستان، قد يضيق هامش المناورة تدريجياً، وقد يتحول التوازن الحالي إلى اصطفاف أكثر وضوحاً إذا اعتبرت السعودية نفسها تحت تهديد وجودي.
-أوردت تقارير حساسية الموقف منذ إبرام الاتفاق الدفاعي. فقد اعتبر مصدر سعودي أن الاتفاق يضع السعودية تحت المظلّة النووية الباكستانية في حال وقوع هجوم. وقد لمّح وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف إلى المعنى ذاته معتبرا أن قدرات بلاده “ستكون مُتاحة للسعودية وفقاً لهذا الاتفاق”، قبل أن يتراجع لاحقا.
-تعتبر المصادر أن الارتباك يعكس المعضلة البنيوية التي تواجهها إسلام آباد. فالاتفاق صُمم أصلًا ليبقى في مساحة رمادية فيما تصريح إسحاق دار العلني بدد ذلك الغموض.

خلاصة:
**تحاول باكستان بصعوبة إيجاد نقطة توازن بين التزاماتها الدفاعية مع السعودية وعدم توتير علاقاتها مع إيران.
**رغم ضبابية نص الاتفاق الدفاعي بين باكستان والسعودية أزال تحذير وزير الخارجية الباكستاني لإيران هذه الضبابية وضيّق من هامش المناورة الباكستاني.
**اذا ما طلبت السعودية تفعيل الاتفاق فإن استجابة باكستان تهدد استقرار حدودها الغربية وتثير توترات طائفية داخلية.
**تأخذ باكستان بعين الاعتبار ضغوط داخلية بسبب وجود 40 مليون شيعي وتحرك احتجاجي مؤخرا اسقط قتلى.
**تقاعس باكستان عن الاستجابة يضر بمصداقيتها لدى السعودية (التي تقدم دعماً مالياً حاسماً لباكستان) ولدى حلفاء الخليج عموماً.
**يجب الأخذ بعين الاعتبار تاريخ من الدعم السعودي لباكستان بما في ذلك برامجها العسكرية والنووية.
**قد لا تذهب السعودية إلى طلب تفعيل الاتفاق إذا ما ظلت الهجمات محدودة تأخذ بالاعتبار التحذير الباكستاني.
**زيارة رئيس الوزراء الباكستاني للسعودية في هذا الوقت يبعث بإشارة التزام باكستاني للسعودية وبرسالة تحذير عالية المستوى إلى إيران.
**تلمّح باكستان بأن وجود اتفاق الدفاع مع السعودية يقف وراء أن رد إيران على السعودية كان أقل حدة مقارنة ببقية دول الخليج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.