أوروبا وإسرائيل: تحول المواقف وتداعياته على الدبلوماسية الإسرائيلية
ورقة سياسات:
حمزة علي، مركز تقدم للسياسات
مقدمة :
مع دخول الحرب على غزة عامها الثاني وتزايد حالة عدم الاستقرار الإقليمي، يشهد الموقف الأوروبي من إسرائيل تحولاً نوعياً، حيث تتصاعد الانتقادات وتتجاوز مرحلة “التعبير عن القلق” إلى الإدانة العلنية. ورغم امتلاك الاتحاد الأوروبي أوراق ضغط حقيقية، فهو الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل ومصدر رئيسي لتمويل الأكاديميا، إلا أنه ظل عاجزاً عن تحويل وزنه الاقتصادي إلى نفوذ سياسي بسبب انقساماته الداخلية. لكن معطيات جديدة طرأت على المشهد، أبرزها سقوط حكومة فيكتور أوربان في هنغاريا (أحد أبرز حلفاء إسرائيل داخل الاتحاد)، وتبريد العلاقة مع إيطاليا، والدفع الأوروبي نحو تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل.
تقدم هذه الورقة قراءة وتحليلاً لوجهات نظر كبار المعلقين والخبراء الغربيين حول العلاقة المتغيرة بين إسرائيل وأوروبا، وتستعرض أبرز المؤشرات والتحولات والتداعيات المتوقعة.
وتخلص إلى أن أوروبا لم تعد طرفاً هامشياً في الصراع، بل تتحول إلى جبهة دبلوماسية جديدة قد تشكل ضغطاً حقيقياً على إسرائيل، مما يستدعي إعادة تقييم جادة للافتراضات القديمة التي كانت تعتبر الانتقادات الأوروبية مجرد خطاب لا يترجم إلى أفعال.
التحليل:
أولاً: تصاعد الانتقادات الأوروبية وتجاوز مرحلة “القلق”:
يعبر افتتاحية صحيفة “الغارديان” الصادرة في العشرين من نيسان عن مزاج أوروبي تراكم على مدى أشهر، حيث تحولت عبارات القلق الأوروبية من حكومة بنيامين نتنياهو إلى إدانة صريحة ومتكررة. ففي أيلول الماضي، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين تقييد المساعدات في غزة بأنه يخلق “مجاعة من صنع الإنسان”. كما أدانت بروكسل مراراً عنف المستوطنين والاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية. وبعد قصف لبنان، صرحت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس بوضوح: “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس لا يبرر هذا الدمار”.
ورغم هذا التصعيد الخطابي، لم يتغير الكثير على الأرض. فقد تعامل نتنياهو ووزراؤه مع منتقديهم الأوروبيين بازدراء بالكاد يمكن اخفاءه، مستندين في ذلك إلى إدارة أمريكية تتصرف بنفس الطريقة. وبالتالي، يظل السؤال الأهم: لماذا فشل الاتحاد الأوروبي في تحويل ثقله الاقتصادي (إذ أن ثلث تجارة إسرائيل تتم مع أوروبا، وتمويل برنامج “هورايزون” البحثي يصل إلى مليارات اليورو) إلى نفوذ سياسي حقيقي؟ ويعزو المحللون هذا الفشل إلى الانقسامات الداخلية والاعتماد المفرط على الإقناع بدلاً من آليات الضغط.
ثانياً: سقوط حاجز أوربان وإعادة تشكيل المشهد الأوروبي:
تمثل هزيمة فيكتور أوربان في الانتخابات العامة الهنغارية في التاسع عشر من نيسان إزالة لعقبة هيكلية كبرى كانت تعوق تحرك الاتحاد الأوروبي ضد إسرائيل. فقد كان أوربان أحد أبرز حلفاء نتنياهو داخل الاتحاد، واستخدم حق النقض (الفيتو) بشكل متكرر لحماية الحكومة الإسرائيلية من الضغوط. ففي شباط، كانت هنغاريا الدولة الوحيدة في الاتحاد التي صوتت ضد اعتماد عقوبات على المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية، مما أدى إلى إفشال الإجراء الذي كان يتطلب إجماع الآراء.
وتعلو مايا سييون-تسيدكياهو، مديرة برنامج العلاقات الإسرائيلية الأوروبية في معهد “ميتفيم” والمحاضرة في الجامعة العبرية في القدس، بأن “الفيتو الهنغاري كان الشيء الوحيد الذي منع حزمة العقوبات ضد المستوطنين العنيفين، وأتوقع أنه بمجرد تولي حكومة ماغيار الجديدة مهامها، سيكون هذا أحد أول الأمور التي سيدفع الاتحاد الأوروبي لتنفيذها”. وتضيف ملاحظة حادة: “نتنياهو يقف على الجانب الخطأ من التاريخ من وجهة نظر العديد من الأوروبيين، وهو رمز لأوربان”. وقد أقر مسؤولون إسرائيليون أنفسهم بأن رحيل أوربان قد يغير المشهد الدبلوماسي، وهو اعتراف نادر بأهمية الدور الأوروبي.
ثالثاً: الانكسار الإيطالي ودلالاته الرمزية:
ربما يكون التحول الأكثر دلالة على تغير الولاءات الأوروبية قد جاء من روما. فقد كانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني من بين أقرب حلفاء إسرائيل في أوروبا، متحدية بانتظام المشاعر المؤيدة لفلسطين والتي تمتد من اليسار إلى يمين الوسط في إيطاليا. لكن هذا الموقف، وفقاً للورينزو كاستيلاني، مؤرخ سياسي في جامعة لويزا بروما، أصبح غير قابل للاستمرار. يقول كاستيلاني: “لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، أصبحت السياسة الخارجية شاغلاً مركزياً للرأي العام الإيطالي، والسبب بسيط: هذا صراع له تداعيات جيوسياسية واقتصادية مباشرة على إيطاليا وأوروبا بأسرها”.
الأسبوع الماضي، وبعد تبادل حاد بين روما وتل أبيب بشأن سقوط ضحايا مدنيين في لبنان، أعلنت ميلوني تعليق اتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل. ووصف دبلوماسي أوروبي هذه الخطوة بأنها “تحذير واضح”. قد تكون هذه الخطوة رمزية أكثر منها جوهرية، حيث يبقى إطار الصفقات الدفاعية القائمة قائماً، لكن الإشارة التي يرسلها حليف سابق وثيق لا ينبغي الاستهانة بها.
رابعاً: أوراق الضغط الأوروبية: النفوذ الموجود أخيراً على الطاولة:
استكشف تحقيق أجرته صحيفة “الغارديان” ونُشر قبل يوم من الافتتاحية المذكورة كيف تتغير مكانة إسرائيل في أوروبا بسرعة. أوضح مارتن كونيتشني، مدير مشروع الشرق الأوسط الأوروبي في بروكسل، المنطق الجديد للتصعيد: “أصبح النقاش حول النفوذ والضغط مطروحاً على الطاولة مجدداً. إذا اتخذت خطوة ولم يتحسن الوضع، فإن الضغط لاتخاذ الخطوة التالية يزداد بسرعة مرة أخرى”.
يمتلك الاتحاد الأوروبي أوراقاً مهمة: ثلث تجارة إسرائيل تتم مع أوروبا، وتمويل برنامج “هورايزون” يصل إلى المليارات، والعلاقات الثقافية والسفر عميقة. السؤال لم يكن أبداً ما إذا كانت أوروبا تمتلك نفوذاً، بل ما إذا كانت تمتلك الإرادة السياسية لاستخدامه.
بالنسبة للبعض، فإن الفشل في التحرك هو بحد ذاته أزمة سمعة. يقول باسكوال فيرارا، دبلوماسي إيطالي كبير سابق وباحث: “إن غياب إجراءات ذات مغزى ضد إسرائيل، مقارنة بالعقوبات الواسعة المفروضة على روسيا، أثار مخاوف بشأن المعايير المزدوجة ويخاطر بتقويض مصداقية الاتحاد الأوروبي الدولية”.
في الحادي والعشرين من نيسان، أفادت وكالة رويترز بأن دولاً أوروبية من بينها إسبانيا وأيرلندا دفعت، خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، من أجل تعليق اتفاقية الشراكة التي تحكم العلاقات بين الاتحاد وإسرائيل. واستشهد العديد من الوزراء بالمستوطنات في الضفة الغربية، والوضع الإنساني في غزة، وقانون عقوبة الإعدام الجديد. لا تزال الانقسامات قائمة، لكن من اللافت أن بعض الوزراء أشاروا إلى أنهم يبحثون الآن عن طرق للضغط على إسرائيل حتى دون الحصول على أصوات كافية للتحرك بخصوص اتفاقية الشراكة نفسها، مما يمثل تحولاً كبيراً في النوايا والتصرفات.
الخلاصات:
**أوروبا لم تعد هامشية: لطالما أبحرت إسرائيل في الانتقادات الدولية بدرجة من الحصانة، مستندة إلى الدعم الأميركي والانقسامات الأوروبية وفيتو الحكومات الصديقة. لكن هذه الحصانة تتضاءل، ويجب على صانعي السياسات أن ينتبهوا إلى ذلك. أوروبا لم تعد طرفاً ثانوياً في هذا الصراع، بل تتحول إلى جبهة دبلوماسية جديدة تشكل ضغطاً حقيقياً.
**النفوذ الأوروبي أصبح قيد الاستخدام: الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، ومصدر رئيسي لتمويل البحث العلمي، وهو كتلة كان وزنها الاقتصادي يُبقي عمداً منفصلاً عن خطابها السياسي، لكن هذا الأمر يعاد النظر فيه الآن كأداة ضغط. رحيل أوربان، وتبريد ميلوني، ودفع إسبانيا وأيرلندا لتعليق اتفاقية الشراكة، والعودة شبه المؤكدة لعقوبات المستوطنين إلى الطاولة، ليست حوادث معزولة، بل مؤشرات ضمن تحول اتجاهي يتسارع.
**تغير ديناميكيات القرار الأوروبي: السياسة الأوروبية ليست ثابتة؛ فهي تستجيب للانتخابات، والمشاعر العامة، والصدمات الجيوسياسية بطرق يمكن أن تتحرك أسرع مما تستوعبه الافتراضات الدبلوماسية. تماماً كما يتطلب الشرق الأوسط قراءة مستمرة للتحالفات السائلة والخطوط الحمراء المتطورة، فإن أوروبا أيضاً تحتاج إلى متابعة، وأولئك الذين يعاملون القارة كخلفية مستقرة ويمكن التنبؤ بها لهذا الصراع يفعلون ذلك على مسؤوليتهم الخاصة.
**ضرورة إعادة تقييم الافتراضات القديمة: بالنسبة لصانعي السياسات تجاه إسرائيل، يستدعي المشهد الأوروبي الآن اهتماماً جدياً. الافتراض القديم القائل بأن الانتقادات الأوروبية ستبقى خطابية، غير مسنودة بأفعال، ويسهل تجاهلها، لم يعد افتراضاً آمناً. إذا تعرضت اتفاقية الشراكة لضغوط مستدامة، وإذا أعيد النظر في المشاركة في برنامج “هورايزون”، وإذا أصبحت العلاقات التجارية مشروطة، فإن التأثير التراكمي على مكانة إسرائيل الدولية سيكون كبيراً. النافذة التي كان يمكن خلالها تجاهل أوروبا بأمان ربما تغلق. الحكومات والمؤسسات التي لم تعاير بعد تقديراتها للنفوذ الأوروبي، سيكون من الحكمة أن تفعل ذلك الآن.