أميركا لن تنسحب من الشرق الأوسط: رصد لتصريحات فانس وأغراضها
تقدير موقف، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم:
بعد عقود من استراتيجية اعتمدتها الإدارات الجمهورية والديمقراطية بشأن التحول نحو آسيا، يعلن نائب الرئيس الأميركي، المفترض أن يكون مرشحاً للرئاسة المقبلة، أن بلاده لن تنسحب من الشرق الأوسط، وأنها الوحيدة القادرة على فعل ما لن يفعله أي بلد آخر لوقف فوضى الطاقة والممرات، واعداً بمرحلة جديدة من حرب إيران.
المعطيات:
– في 16 سبتمبر 2026، أدلى نائب الرئيس الأميركي بمواقف شملت النقاط التالية:
1. البديل عن النهج الحالي هو أن تقول الولايات المتحدة للشرق الأوسط “أنتم وحدكم”، وإن ذلك سيعني بالضرورة أزمة طاقة عالمية طالما استمرت إيران في إطلاق النار على السفن، ونحن نعلم أن هذا بالضبط ما ستفعله.
2. ترامب دخل السلطة راغباً في إبعاد بلاده عن التورطات الخارجية، لكنه التزم أيضاً بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وأن تجنب التورط لا يعني الامتناع عن استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف الشعب الأميركي.
3. أكد أن الإدارة حققت دماراً كبيراً في البرنامج النووي الإيراني والقدرات التقليدية، لكن طهران واصلت استهداف السفن حتى في خضم مفاوضات السلام، وأن ترامب اختار المسار المسؤول بضمان استمرار تدفق النفط والغاز رغم ما وصفه بالإرهاب الإيراني.
4. سياسة واشنطن في الشرق الأوسط لا يمكن أن تكون تابعة لدولة إسرائيل، كما لا يمكن أن تكون السياسة الأوروبية تابعة لحلف الناتو، وإن أميركا تعمل مع الحلفاء وتختلف معهم وفق مصلحتها.
5. وصف استمرار الوجود الأميركي بأنه القرار المسؤول لحماية تدفق النفط والغاز إلى أسواق الطاقة العالمية رغم ما سماه الإرهاب الإيراني.
6. ترامب يحمي الأصول الأميركية في المنطقة ويضمن في الوقت نفسه استمرار إمداد العالم بالنفط والغاز.
– في 14 سبتمبر 2026، قال فانس إن الحرب مع إيران ستدخل مرحلة مختلفة كثيراً خلال شهرين، موافقاً تقدير ترامب بأن الصراع قد ينتهي بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026.
– أضاف أن المرحلة الأولى انتهت بعد تدمير البرنامج النووي والقدرات التقليدية وإضعاف قدرة إيران على امتلاك القوة، وأن المرحلة الثانية تقوم على منع إعادة البناء والحفاظ على أكبر قدر ممكن من الاستقرار العالمي.
– في 10 سبتمبر 2026، سقطت مدينة المخا في اليمن على يد الحوثيين، وقرّبتهم من القدرة على إغلاق باب المندب بالمدفعية، دون الاعتماد فقط على الصواريخ والمسيّرات.
التحليل:
ترصد مصادر أميركية مراقبة أن فانس لا يدافع عن وجود أميركي مفتوح، بل عن الانخراط بوصفه أداة لحماية أسواق الطاقة ومنع الفراغ الذي تملؤه إيران ووكلاؤها. تضيف المصادر أن تحذيرات فانس تستند إلى عوامل جغرافية، أهمها:
1. يمر عبر هرمز نحو خمس استهلاك النفط العالمي وجزء كبير من صادرات الغاز المسال، وأي انقطاع مطوّل يضرب الأسعار وسلاسل الإمداد.
2. سقوط المخا والساحل الغربي يزيد الخطر لأن إيران ووكلاءها يقتربان من التحكم بمضيقين في آن واحد: هرمز وباب المندب.
جدير بالتنويه ان مصادر بحثية مختلفة ظلت تذكر، أنه منذ أكثر من عقد يتكرر الحديث عن استراتيجية أميركية لمغادرة الشرق الأوسط. فقد أعلن الرئيس الأسبق باراك أوباما “التحول نحو آسيا”، وكررت إدارات لاحقة أن المنطقة لم تعد مصدر الطاقة الوحيد ولا المسرح الوحيد للمنافسة الكبرى.
تضيف المصادر أن وثيقة الأمن القومي الأميركية لعام 2025 ذهبت إلى أن أيام هيمنة الشرق الأوسط على التخطيط اليومي لواشنطن انتهت، لأن الولايات المتحدة أصبحت مصدّراً كافياً للطاقة، ولأن أولوية التنافس انتقلت إلى الصين والنصف الغربي من الكرة الأرضية.
وتكشف المصادر أن الحرب مع إيران أعادت المضائق إلى مركز الحسابات، فأظهرت أن تنويع مصادر الطاقة لا يلغي هشاشة الممرات البحرية.
يلاحظ مراقبون للشؤون الأميركية أن الجدل في هذه المسألة منقسم بين من يدفع باتجاه التخفيف من الحضور الشرق أوسطي باسم الواقعية، ويدافع عن هذا التوجه معاهد مثل معهد كوينسي ومؤسسة طأولويات الدفاع” (Defense Priorities) التي تدعو إلى تقليص الالتزامات العسكرية خارج آسيا. ويلتقي مع هذا التوجه جزء من “ماغا”، وهي قاعدة “أميركا أولاً” التي وعدت بعدم الانخراط في حروب جديدة في الشرق الأوسط.
في سياق اخر، يتمسك تيار تقليدي محافظ وأطلسي بأن الانسحاب يخلق فراغاً تملؤه إيران وروسيا والصين، وأن أمن الطاقة والممرات الدولية مصلحة أميركية مباشرة لا يمكن تفويضها لأوروبا أو لدول الخليج وحدها.
وتقر مراجع بحثية بأن ما يظهر من تصريحات فانس هو تيار جديد داخل الإدارة والجمهوريين لا يدعو إلى عودة الاحتلال أو بناء الدول، بل إلى بقاء بحري وأمني مركّز حول المضائق واستخدام العقوبات ومنع إعادة بناء البرنامج النووي. وبهذا فهو لا الانعزال الكامل.
توافق تحليلات على أن تصريحات فانس ترتبط مباشرة بتصريحه السابق عن تغير شكل الحرب، وأن المرحلة الثانية لن تكون انسحاباً، بل إدارة طويلة للنزاع بأدوات أقل كلفة سياسياً قبل الانتخابات، وأكثر تركيزاً على الملاحة والعقوبات بعدها.
الخلاصة:
– يعيد التصريح فتح جدل قديم حول استراتيجية أميركية لمغادرة الشرق الأوسط والتحول نحو آسيا، بعدما أعادت الحرب ملف المضائق إلى الواجهة.
– تدفع تيارات العزلة ومراكز بحث مثل كوينسي و”أولويات الدفاع” نحو تخفيف الوجود لتوجيه الموارد ضد الصين في المحيط الهادئ.
– يظهر فانس تياراً جديداً داخل الجمهوريين يرفض الانسحاب الكامل ويدعو إلى وجود بحري مركّز حول الممرات والعقوبات، لا إلى احتلال أو بناء دول.
– تمهّد التصريحات لسياسات مقبلة تقوم على استمرار حماية الملاحة، وتوسيع الضغط الاقتصادي، ومنع إيران ووكلائها من تحويل المضائق إلى أداة ابتزاز للطاقة العالمية.
– حذّر جي دي فانس من أن انسحاب أميركا من الشرق الأوسط سيؤدي إلى أزمة طاقة عالمية ما دامت إيران تستهدف السفن التجارية.
– ربط التحذير باستمرار استهداف إيران للملاحة في مضيق هرمز، مؤكداً أن واشنطن وحدها قادرة على منع انهيار الإمدادات.
– قال قبل ذلك إن الحرب دخلت مرحلة أولى مكتملة بعد تدمير القدرات النووية والتقليدية، وإن مرحلة ثانية مختلفة ستبدأ خلال شهرين بعد الانتخابات النصفية.
– يعيد فانس تثبيت معادلة استراتيجية تعتبر أن الطاقة ليست ملفاً اقتصادياً منفصلاً، والانسحاب من الشرق الأوسط يحدد من يمسك بخنق الاقتصاد العالمي في المضائق.
– زاد سقوط المخا وسيطرة الحوثيين على الساحل الغربي وجزر باب المندب من خطورة الانسحاب، لأنه يفتح احتمال خنق مضيقين معاً: هرمز وباب المندب.
– يكرر فانس أن سياسة واشنطن ليست خاضعة لإسرائيل، علماً أنه يكرر الانتقادات لإسرائيل ويعيد تعريف الوجود الأميركي بصفته مصلحة لواشنطن منفصلة عن أجندة إسرائيل.
– تنفي تصريحاته ما يُشاع عن احتمال قيام ترامب بوقف الحرب والانسحاب وإعلان النصر.