أميركا تنسحب من العراق: الوقائع وتداعياتها على خطط واشنطن في المنطقة

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقديم:
يفرض انسحاب القوات الأميركية من كامل العراق موازين قوى أمنية وسياسية جديدة في المنطقة، كما يطرح أسئلة بشأن مستقبل الوجود الأميركي في الشرق الأوسط ومدى الثقة بضمانات واشنطن الأمنية. ويفرض ايضا قراءة لموازين القوى العسكرية والسياسية على ضوء الصراع الراهن مع إيران.

المعطيات:
– في 27 سبتمبر 2024، أصدرت واشنطن وبغداد، في عهد الرئيس جو بايدن ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بيانًا مشتركًا يقضي بإنهاء مهمة التحالف داخل العراق بنهاية سبتمبر 2025 على أبعد تقدير، واستكمال الانسحاب ودعم عمليات سوريا حتى سبتمبر 2026.
– في 18 يناير 2026، أعلنت اللجنة العسكرية العليا العراقية إخلاء القواعد الاتحادية، ومنها عين الأسد وقيادة العمليات المشتركة، مع إبقاء دعم لوجستي محدود في أربيل لعمليات سوريا.
– في يوليو 2026، أعاد الزيدي ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، خلال زيارة إلى واشنطن، تأكيد الالتزام بإنهاء المهمة بحلول 30 سبتمبر.

– سبق إعلان الزيدي تأجيل الموعد النهائي لنزع سلاح الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة إلى 30 يونيو 2027، بعدما رفضت فصائل نافذة مرتبطة بإيران التسليم ووضعت شروطًا لذلك.
– في 25 سبتمبر 2026، سلمت الولايات المتحدة مركز الدعم الدبلوماسي في مطار بغداد الدولي إلى السلطات العراقية بموجب اتفاق وُقّع في ذلك اليوم.
– في 28 سبتمبر 2026، أصدرت وزارة شؤون البيشمركة في حكومة إقليم كردستان بيانًا أعربت فيه عن القلق من مغادرة القوات من دون توفير منظومة دفاع جوي بديلة. وسجلت الوزارة تعرض الإقليم لأكثر من ألف هجوم بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية خلال الصراع الأميركي-الإيراني المستمر منذ أواخر فبراير 2026، وأكدت أن حماية الأجواء تقع على عاتق الحكومة الاتحادية. وعبر رئيس الوزراء مسرور بارزاني عن الموقف نفسه، محذرًا من انكشاف الإقليم.

– في 30 سبتمبر 2026، أكملت القوات الأميركية وقوات التحالف انسحابها المنظم من قاعدة أربيل الجوية، وأنهى البنتاغون رسميًا مهمة عملية “العزم الصلب” داخل العراق.
– أعلن المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل أن الانسحاب يعكس نجاح حملة استمرت 12 عامًا هزمت تنظيم داعش كتهديد عسكري منظم، وينقل المسؤولية الأساسية عن بقايا التنظيم والميليشيات المرتبطة بإيران إلى الحكومة العراقية، مع استمرار دعم تدريبي واستخباراتي موجه.
– وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب بأنه نهاية “رحلة باهظة إلى الجحيم” وقرار بالعودة إلى الوطن.
– تورد التقارير أن الانسحاب يقلص الوجود العسكري الأميركي المباشر في العراق إلى الصفر، وينقل ثقل المهمة المضادة لداعش إلى الأردن، حيث تبقى نحو 4 آلاف جندي أميركي قادرين على الرد.

التحليل والتداعيات:

ترجح تحليلات أن الخطوة لا تشكل مقدمة تلقائية لانسحابات واسعة من الشرق الأوسط، إذ تحتفظ واشنطن بقواعد في الخليج والأردن وتواصل عمليات في سوريا، لكنها تعكس أولوية خفض الانتشار البري طويل الأمد وتفضيل الشراكات الثنائية على التحالفات القتالية المفتوحة.

كما ترى مراكز تفكير مثل المجلس الأطلسي ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن النفوذ الأميركي يتحول من واجهة عسكرية إلى تدريب واستخبارات وعلاقات اقتصادية، من دون أن يختفي.

تقر مصادر أمنية بأن الانسحاب يضعف غطاء الدفاع الجوي الذي وفرته منظومات أميركية في أربيل، ويترك إقليم كردستان أكثر تعرضًا لهجمات المسيرات والصواريخ. وتقول إن بغداد تتحمل المسؤولية الدستورية عن الأجواء، غير أن قدراتها الحالية لا تعوض فورًا الغياب الأميركي.

وتضيف المصادر أن خطر عودة خلايا تنظيم داعش يبقى قائمًا في مناطق متنازع عليها، بينما تحتفظ الفصائل بحرية حركة أكبر.
تلفت مصادر عراقية إلى أن التأجيل حسم الجدل بين الدولة والفصائل. وكانت الفصائل تبرر احتفاظها بالسلاح بوجود القوات الأجنبية، ومع ذلك، وبعد الانسحاب، احتفلت فصائل “المقاومة الإسلامية” بالخطوة بوصفها انتصارًا تاريخيًا، ورفضت كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وألوية سيد الشهداء التسليم قبل “سيادة كاملة”.

تضيف المصادر أن الزيدي يضغط باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، لكنه يواجه قاعدة شيعية ترى في الفصائل حماية، فيبقى التوازن السياسي مائلًا نحو تأجيل المواجهة.
وترى مصادر دبلوماسية مراقبة أن الانسحاب يقلل من موثوقية واشنطن كضامن أمني فوري في نظر دول الخليج، خاصة مع استمرار الحرب الأميركية-الإيرانية منذ فبراير 2026 واستهداف ميليشيات عراقية لخط أنابيب سعودي. ويقرأ شركاء الخليج الانسحاب الثاني من العراق، بعد 2011، كدليل على تراجع الإرادة في الالتزامات البرية الطويلة، فيعجلون بتنويع شراكاتهم الدفاعية.
وتعتقد مصادر بحث أن الخطوة تعزز موقع إيران نسبيًا داخل العراق، إذ تحتفل طهران ومحور المقاومة بها كخطوة نحو إخراج القوات الأميركية من المنطقة.

وتلفت المصادر إلى أنه في سوريا يفقد التحالف منصة لوجستية عراقية كانت تدعم العمليات حتى سبتمبر 2026، فتنتقل المسؤولية الأكبر إلى دمشق والقوات العاملة من الأردن.
تحليلات المراكز البحثية المختصة، تلاحظ أن الانسحاب يبقي العراق ساحة تنافس بين نفوذ إيراني متجذر وضغوط بغداد لفرض احتكار السلاح، بينما تتأثر الحدود السورية-العراقية بقدرة داعش على استغلال أي فراغ. وتضيف التحليلات أنه بالنسبة إلى إسرائيل، يضعف الانسحاب وجود حليف عسكري أميركي على الحدود الشرقية لإيران.

تخلص تقييمات إلى أن إسرائيل لا يمكن أن تكون بديلًا أمنيًا في المنطقة عن الولايات المتحدة. فدول الخليج تفضل الغطاء الأميركي التقليدي. لكن الانسحاب يعزز، في قراءة إسرائيلية، الحاجة إلى تعميق التنسيق الاستخباراتي مع العواصم المتعاونة في المنطقة.

الخلاصة:
– ينهي الانسحاب الوجود القتالي الأميركي داخل العراق، وينقل مهمة مكافحة داعش إلى الأردن وسوريا، من دون أن يلغي القدرة الأميركية على الضرب من قواعد إقليمية.
– لا يشكل الانسحاب مقدمة تلقائية لانسحاب شامل من الشرق الأوسط، بل يعكس تحولًا من انتشار بري طويل إلى شراكة ثنائية وتدريب واستخبارات، مع الإبقاء على قواعد في الخليج والأردن.
– يُترك إقليم كردستان من دون غطاء الدفاع الجوي الأميركي، وتنتقل المسؤولية الدستورية إلى بغداد من دون قدرة فورية على التعويض.
– يؤجل نزع سلاح الفصائل في العراق حسم احتكار الدولة للسلاح، وتستغل الفصائل المرتبطة بإيران الانسحاب لإعلان “انتصار” ورفض التسليم قبل شروط سياسية يصعب تلبيتها.
– يضعف الانسحاب صورة واشنطن كضامن أمني دائم في نظر الخليج، حتى مع تأكيد البنتاغون استمرار الاستعداد للرد، ما يدفع الشركاء إلى تنويع تحالفاتهم الدفاعية.
– تكسب إيران رمزيًا داخل العراق، ويحتفل المحور بالمغادرة بوصفها خطوة نحو إخراج القوات الأميركية من المنطقة.
– يفقد التحالف منصة لوجستية عراقية كانت تدعم عمليات سوريا حتى الموعد النهائي، فتنتقل أعباء منع عودة التنظيم بدرجة أكبر إلى دمشق والقوات العاملة من الأردن.
– يبقى خطر الخلايا النائمة والفراغ في المناطق المتنازع عليها قائمًا، بينما تحتفظ الميليشيات بحرية حركة أكبر ما دام نزع السلاح مؤجلًا والقرار الأمني العراقي منقسمًا.
– لا يحول الانسحاب إسرائيل إلى بديل موثوق للوجود العسكري الأميركي في نظر العواصم العربية التي تفضل الغطاء الأميركي التقليدي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.