أمريكا تراجع برنامج مساعداتها الخارجية والثروات الطبيعية في افريقيا ومواجهة الصين هو البوصلة
وحدة افريقيا – مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف
تقديم:
يواجه مشروع قانون خاص بالمساعدات الخارجية للولايات المتحدة، الذي اقر منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، عقبات جديدة، ويوصف بأنه يعتمد على ردات الفعل وليس استراتيجية ثابتة لتعزيز النفوذ الأمريكي وقوتها الناعمة في العالم. وتجليات التخبط ظهرت للعلن بعد احتدام الصراع بين الكونجرس وإدارة بايدن حول الدول المستهدفة ومشاركة التنفيذيين في الجدل حول العقبات البيروقراطية التي تحول دون الاستفادة الأمثل من مشروع المساعدات.
معيقات جوهرية:
قانون صندوق المساعدات للدول الهشة، الذي يدور حوله الجديل، موجه بالدرجة الأولى للدول التي تخوض فيها الولايات المتحدة صراعا مع النفوذ الصيني والروسي وخاصة في القارة الافريقية، وحين اقر القانون في ديسمبر 2019 اعتبر في حينه، عامل تغيير محتمل في عالم المساعدات الخارجية الأمريكية وإنجاز نادر لدعم الحزبين لإصلاح القوة الناعمة الأمريكية في الخارج “لوقف موجة عدم الاستقرار والاستبداد”. لكن البرنامج منذ اقراره يواجه التعثر وفوضى القرارات، والعقدة الضاغطة في النقاشات تتركز حول مواجهة الصين. حيث تنفق بكين ما لا يقل عن عشرة أضعاف ما تنفقه الولايات المتحدة في إفريقيا. ومن الملاحظات التي قدمت في مداولات الكونغرس ان إدارة بايدن أبقت المشرعين بعيدا عن موقع القرار الخاص باختيار الدول الجديرة بالمساعدات ، كما ان تعريف الدول بحسب قانون صندوق الدول الهشة العالمي ” – National Endowment for Democracy – لا يخضع لمعايير توافقية واضحة ، الديمقراطية وحقوق الانسان والشفافية ، والاستقرار ، كما يخضع لتدخلات شتى ، ومن مؤسسات مختلفة ، الامر الذي أدى الى فصل الملفات عن بعضها وأحيانا تبدو متعارضة، فالبرنامج يمكن ان يمرر أموالا للتعليم ومكافحة التطرف ويمنعها عن الصحة والدعم الاقتصادي او العسكري .
انفجر الجدل حول المساعدات الخارجية عندما تم ادراج ليبيا وهاييتي على قوائم المشروع، ويدعي السناتور الديمقراطي كريس كونز والسناتور الجمهوري ليندسي جراهام، ان كلا البلدين المشمولتين بالبرنامج، تعيشان حالة فوضى وعدم استقرار وانهيار شبه تام لمؤسسات الدولة. ويجادل أنصار المراجعة بعد دراسة المتخصصين لإخفاقات وعيوب المساعدات الخارجية الأمريكية، ان واشنطن ترسل عشرات المليارات من الدولارات لمساعدة دول مثل الصومال وجنوب السودان، أو حتى وقت قريب، أفغانستان، لكن تلك الدول تصبح أقل استقرارًا.
ويجادل المعترضون في الكونغرس على البرنامج ان بعض هذه الدول، فاسدة وغير مستقرة وخاصة، هايتي وليبيا، فهما من بين الدول الأكثر فسادًا في العالم، حيث احتلت المرتبة 164 و172 من أصل 180 دولة، على التوالي، بحسب تقارير منظمة الشفافية الدولية لتتبع الفساد.
والمسالة الأخرى التي كانت مثار جدل في الكونغرس، ان معظم حزم المساعدات الخارجية يتم إطلاقها بعد حدوث الأزمات، بطريقة متسرعة تعتمد على التدافع قصير الأجل لمكافحة الحرائق في العالم. ولكن اثناء التنفيذ تظهر المعيقات البيروقراطية وجيش من المستشارين والاداريين، بحيث لا يبقى أثر ملموس لهذه المساعدات على السكان المحليين وأحيانا كثيرة لا يسمعوا عنها.
بموجب قانون صندوق مساعدة الدول الهشة والمراجعة الجديدة للمساعدات الخارجية الامريكية، كلفت إدارة بايدن باختيار عدد من الدول الافريقية لبدء برامج جديدة تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للهشاشة وعدم الاستقرار السياسي. وأعلنت عن هذه الاختيارات في أبريل / نيسان الماضي وهي: هاييتي وليبيا وموزمبيق وغينيا الجديدة ومجموعة من خمس دول ساحلية في غرب إفريقيا (بنين وساحل العاج وغانا وغينيا وتوغو
العقدة الصينية في افريقيا:
من الواضح ان البرنامج وتعديلاته الجديدة موجه بصورة رئيسية الى دول افريقيا، في تتبع واضح لمسار الاستثمارات والنفوذ الصيني المتعظم في القارة.
بدأ الاهتمام الامريكي بالدول الافريقية المطلة على المحيط الاطلسي يتعاظم وذلك لوقف التمدد الصيني في القارة الافريقية والذي تشير كل الدلالات انه بداء يدخل مرحلة جديدة.
بعد المشاريع الضخمة التي تم تنفيذها في كلا من اثيوبيا وكينيا واوغندا وتنزانيا وهي مشاريع ستضمن للصين سيطرة نسبية على موارد طبيعية في تلك الدول، لكن المقلق أمريكيا هو انتقال زحف التنين الصيني نحو الغرب الافريقي، فعقدت صفقات للتعدين في غينيا والكاميرون، وبدأت تلوح في الافق مؤشرات تكرار ما حدث مع دول الساحل الشرقي والذي انتهي بإقامة قاعدة عسكرية في جيبوتي، عندما كشفت النقاب عن مشروع صيني لبناء قاعدة عسكرية في غينيا الاستوائية، وهو الامر الذي اثار قلق الادارة الامريكية ، فالقاعدة تبعد عشرة الاف كم عن الساحل الشرقي الأمريكي . الامر الاخر الذي عزز المخاوف الامريكية، هو اداء الدبلوماسية الصينية الذي نجح في ضم الدول الافريقية المتحدثة باللغة البرتغالية في تكتل اقتصادي اطلق عليه اسم “منتدي مكاو” والذي يضم كلا من انجولا وغينيا الاستوائية وغينيا بيساو وموزامبيق التي باتت محل تنافس شرس بسبب الاكتشافات المتعلقة بالغاز الطبيعي والذي يضع مخزونها في المرتية الاولي في العالم بحقول تصل كمية الغاز فيها الي 100 ترليون متر مكعب.
هواجس واشنطن الافريقية، من تعاظم ، مع تزايد ظهور التواجد الامني لروسيا – مجموعات فاغنر – في دول معروفة باسم ،جنوب الساحل ، من افريقيا الوسطي مرورا ببوركينا فاسو وصولا الي مالي، وهو وجود قد يعزز من فرص الصين في الوصول الى سيطرة على اقتصادات الدول التي تقع على المحيط الاطلسي مستفيدة من حالة التقارب مع روسيا.
راس جسر المساعدات الامريكية:
ان تركيز الولايات المتحدة على كل من، بينين وساحل العاج وغانا وغينيا وتوغو في منح المساعدات يحمل دلالة واضحة، وهي حرمان الصين وروسيا من السيطرة على دول تشكل المنفذ البحري لدول الوسط الافريقي، فموانئ بنين هي المنفذ البحري للصادرات والواردات للنيجر فيما تعتمد بوركينا فاسو على موانئ توغو وغانا وتعتمد مالي على موانئ ساحل العاج وغينيا. ولغينيا اهمية اخرى تتمثل في انها تمتلك أكبر مخزون للحديد في العالم، كما ان مخزون الالمنيوم فيها يعد واحد من أكبر الاحتياطات في العالم.
خسرت الصين امتياز حقوق التنقيب عن الالمنيوم والحديد في غينيا، وبسيطرة الشركات الأمريكية على هذه الحقول، تمكنت من السيطرة على شريط يمتد من نيجيريا التي تعتبر حليفا تقليديا لغينيا، وهو الشريط الذي يشكل البوابة الامنية لدول الساحل وجنوب الساحل الغربي من انجولا الي ناميبيا مرورا بغينيا الاستوائية بسبب حاجة السفن التي تبحر منها الي سلامة امن خليج غينيا الذي يمتد من أطراف الساحل النيجيري وصولا الي غينيا بيساو. والمتوقع ان يزداد الاهتمام الامريكي بتعزيز دور تكتل دول المحيط الاطلسي الذي عقد مؤتمرا مؤخرا في المغرب.
الخلاصة :
تعهد الرئيس الأمريكي بايدن في قمة مجموعة السبع التي عقدت يونيو/ حزيران 2022، بمساهمة بلاده بنحو 200 مليار دولار من المنح والأموال الاتحادية والاستثمارات الخاصة على مدى خمس سنوات لدعم المشروعات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. في إطار مشروع جماعي لجمع 600 مليار دولار من الدول السبع. ولم يخف القادة الكبار ان هدف الصندوق وهو مواجهة مشروع الحزام والطريق الصيني الذي تبلغ تكلفته عدة تريليونات من الدولارات.
من الواضح ان نقاشات الكونغرس ومراجعة برامج المساعدات الأمريكية والذي وضعت افريقيا في مقدمة أولوياته، تكشف عن طور جديد من المواجهات الناعمة والعنيفة في القارة الافريقية مع النفوذ الصيني والروسي ، واحتمالات تغذية الحروب البينية والصراعات العرقية ومخلفات نزاعات الحدود والمياه ، في صراع متجدد لدول القارة الافريقية ، انعكاسا واقعيا لصراعات الهيمنة والنفوذ الدولي .